احتمالات العصر المغلق: هل بالامكان فعلا دحر الامبراطورية الامريكية ؟

حجم الخط
0

احتمالات العصر المغلق: هل بالامكان فعلا دحر الامبراطورية الامريكية ؟

عبد الامير الركابياحتمالات العصر المغلق: هل بالامكان فعلا دحر الامبراطورية الامريكية ؟ الذين يعتقدون ان بالامكان دحر المشروع الامبراطوري الامريكي، ليسوا قلة، فهذه الفكرة مهيمنة، لانها تنسجم مع مخلفات نهاية حقبة الحرب الباردة، لقد انهار كما نعلم الاتحاد السوفييتي، وبفعل قوة ايحاء الثنائية، لا بد من تصور انهيارالولايات المتحدة هي الاخري، ولم لا؟ الاعتقاد الآخر يقول بان التاريخ انتهي، الا ان اصحاب هذا الاعتقاد قد تخلوا عنه مؤخرا، وهو قطعا فكرة ساذجة حولتها تفاعلات لحظة انعطاف مشحونة بالمفارقات الي موضوع متداول، احيانا علي سبيل الطرافة النظرية، التاريخ لم ينته ولن ينتهي علي الاطلاق، ومسيرة الانسان علي الارض، وفي رحاب الكون ما تزال في بداياتها الاولي. اما الاوهام والمفارقات والتعثرات التي تسبق استقرار الافكار، في اللحظات الانتقالية، فلقد كانت وما تزال تميز مسارات الوعي الانساني، وهي حاضرة اليوم بقوة.تظل فكرة الانهيار بحد ذاتها مثيرة وموحية، ان اصداءها في التاريخ، قد منحته نكهته التراجيدية ابتداء من انهيار بابل، وروما، وبغداد. ولكن هل حدث ان انهارت امبراطورية رأسمالية؟ ان صعود البرجوازية الحديثة اوحي بان ظاهرة الانهيارات انتهت من الوجود، هنالك في عصرنا حالة من الافول او التضاؤل، هي الانسب لغروب شمس الامبراطوريات الحديثة، وهو غالبا ما يكون غروبا طويلا، وكان الانهيارات القديمة، هي من اختصاص الامبراطوريات الزراعية، البرجوازيات تشعل حروبا مدمرة وعالمية، وتولد كوارث فظيعة، لكنها لا تنهار بين ليلة وضحاها، اما الاتحاد السوفييتي فهو ليس اكثر من استثناء، مثله مثل بنيته نفسها، ومع ان نهايته الفاجعة، قد اعادت اليوم وفي قلب الرأسمالية، سيرة قديمة، تذكر بالانهيارات الكبري، الا انه ومآله يمكن ان ينسبا الي شيء من رأسمالية ناقصة، او محورة، لا شيء يربطها بالاساس الراسمالي المتفوق، والمجسد بالامبراطورية الامريكية الحالية.امريكا انتصرت، هذه حقيقة، فازت في السباق العالمي المحموم، فكيف يمكن يا تري ان تكون في الوقت نفسه، منتصرة ومهزومة، من يرددون هذه المقولة علي تناقضها، هم حتما لا يلاحظون مضمون الانتصار الامريكي، فامريكا لم تنتصر لانها دولة صناعية رأسمالية، بل لان نموذجها هو ما فوق صناعي، ولن اقول ما فوق رأسمالي، وهي لم تصعد سلم القيادة العالمية اليوم، بل منذ عقود طويلة، اوروبا الصناعية اندحرت اصلا، منذ الحرب العالمية الثانية، ولم تعد موضعا قياديا، ولا هي عادت مصدر الحيوية الغربية او العالمية، والاتحاد السوفييتي تبعها منهارا، بعد ان تكرس نمط عصر ما بعد الصناعة، اي العصر التكنولوجي، هذا هو المعول الذي انهارت تحته قلعة الاشتراكية ، فنمط وبنية نظام الاقتصاد المخطط، والمركزي الشمولي، مهيأ لان يتعامل بالحد الاقصي مع متطلبات تطور صناعي، يصل الي مستوي البلدان الصناعية الاوروبية في الخمسينات، وبعدها يبدأ يتكسر تحت رياح العالم التكنولوجي، ومتطلباته الحيوية، المبادرة، والشديدة المرونه، واللامركزيه، ثمة نمط غائب، يقف وراء صعود الولايات المتحدة الامريكية، وفي عمق الماأزق الاشتراكي ، بنيويا، كان العالم يقف وقتها امام طورين من اطوار التاريخ والتحول.لكن الولايات المتحدة مضطربة، وهي تراكم الاخطاء والحماقات الفادحة، لا شك انها قد بلغت اخيرا، درجة مزرية من تراجع الهيبة والمصداقية، الامر الذي يغري بتاكيد وجهة نظر اولئك الذين يتبنون مقولة الانهيار ، غير ان التدقيق يكاد يحيلنا الي ملاحظة ظاهرة، هي اقرب الي اخطاء السير المنفرد ، طبعا هذه ليست نظرية، او قاعدة قياس او تفسير مضمونة، ولا يجب ان تعتبر كذلك، الا ان بعضا من مقصد التنويه بها مقبول، اذا ما قورن المسار المنتصر والصاعد (بغض النظر عن الاحكام القيمية المعروفة بشأنه) لنموذج امريكا، قبل الانفراد بقيادة العالم، بما بعده، تري لماذا انتصرت امريكا علي غيرها قبل عام 1990، بينما تبدو متخبطة وضائعة اليوم، وهل وجود المنافسين ضروري لتحقيق التوازن، هذه علي الارجح، الحكمة التي يمكننا استخلاصها من مسيرة اكثر من عقد ونصف العقد من الزمن الامريكي الاحادي. دعونا نعالج معا، هذه الناحية بشيء من الاستدراك، او من الخشية ان اردتم، فقد نعثرعلي بعض المفاجآت غير السارة، مدفونة خلف مظاهر، نعتبرها عرضية، وهي عموما كما اسلفنا، اقل بكثير من ان تعتبر بمثابة نظرية، ففي كل التاريخ البشري كانت البدايات ، والمفردة منها بالذات، قد اقترنت بالتخبط، واضطراب الخطي، ولا داعي لان نورد الامثلة، ان الانسانيه تتحسس خطاها، وهي تتقدم عند المنعطفات، وسط الظلمة والمجهول، فهل الولايات المتحدة الامريكية اكثر من قوة امبراطورية، وهل يمكن ان تكون مشروع قفزة في التاريخ الانساني؟ لدينا مقولة بهذا الخصوص، نحبذ الركون اليها مبدئيا، ونظن انها ستساعدنا علي اختصار الكثير من الوقت والجهد، فلنجربها ولنفترض ان العالم اليوم محكوم الي متغيرين، في المضمون والطبيعة اولا، وفي مجال التحقق ثانيا.المقصود في المسالة الاولي ان العالم اليوم قد انتقل، الي مرحلة اخري في مجال التطور، وان الولايات المتحدة هي بلد ما بعد صناعي ، والادق، بلد علي مشارف التحول بصورة كاملة، نحو العصر التكنولوجي ، بمعني ان الولايات المتحدة، ليست كما نتصور، او تعودنا ان نتصور، واحدة من البلدان الرأسمالية المعروفة في اوروبا وغيرها، ولن نعود الي التاريخ الابعد، ولا الي اصول التمايز غير المعترف به، بين بنية وتكوين ومسار القارة الجديدة، وبنية وتاريخ اوروبا، ومنذ توكفيل والقرن التاسع عشر، كان هنالك تردد دائم وخشية غير مفهومه، من الاقدام علي فصل امريكا عن خلفيتها الاوروبيه، مع ان البعض راي في كتاب الديمقراطيه الامريكية للفرنسي النبيل، ما يماثل رأس المال الاوروبي، غير ان توكفيل نفسه واضع الكتاب الفذ، لم يكن يملك وقتها من الجرأة، ما يؤهله لتقرير ذلك الفصل، التاريخ الحالي يكاد يفعل ذلك، ويجزم بشأنه، كلما تجسدت اكثر فاكثر، سكونية اوروبا، وتكلس وضعها المؤسسي والبيروقراطي، وحالت منظومة قيمها، دون انخراطها في القفزة التكنولوجية، بينما هي تغرق في الموات الفكري والابتكاري، ويتراجع منسوبها التعليمي، وتكاد تطفو فوق بحر من المفاهيم الخرافية المحجوبة عن الانظار.بالمقابل يلوح عالم المستقبل، وقد بدا يسطع بشموس منها، غير الولايات المتحدة، الصين، والهند وربما اليابان وروسيا، بعد هذه الدول، تاتي مجموعة الدول الصناعية غير التكنولوجية، او المتباطئة بنويا، امام رياح الموجة الثالثة، تراجعت اوروبا، ولم يعد التقسيم المعتاد في القرن الماضي مناسبا لرسم خارطة العوالم المعتادة، اي التقسيم بين شمال وجنوب، او العالم الاول والثاني والثالث، الان هنالك عالم جديد، يضم امريكا والصين، وربما روسيا والهند واليابان، هذا هو العالم الاول، ثم يأتي عالم اوروبا الصناعية الثاني، قبل ان تتدرج عتبات السلم نزولا.ابان الثورة الصناعية، كانت اوروبا هي السماء التي يسطع في قلبها العصر، دولها تتوالي امبراطوريات، هولندا، البرتغال، اسبانيا، بريطانيا، وفرنسا، والمانيا، اليوم تقف امريكا الي جانب بلدان ذات سمات شرقيه، وهي بالذات نموذج قارة لها خصوصيات، قد تغري في المستقبل اصحاب النظرات والاقتصاديين، بالبحث عن متقابلاتها القيمية، مع اليات ومسارات تقدمها الموضوعي، ان نهضة الصين وتحولها الي قوة عالمية ، امر لا مرد له، علي الاقل حسب كيسنجر، في آخر محاضرة له القاها امام الطلبة الصينيين قبل ايام، وحين يكون الامر علي هذا المنوال، اذن لا بد من البحث عن توافقات ، وحلول، انما من دون توقع اشياء، تكرر صورة وقوانين الماضي، ويمكننا ان نكون واثقين، بان عالم المستقبل، والنظام القيمي والدولي المنتظر، سيكون مختلفا كليا عن ذلك الذي ارسي في عصر الصناعة، بعد الحرب الثانية. في قلب نظرية الانهيار لا بد من العثور علي النقيض ، لانه اصلا ينطوي علي التبرير المنطقي الاقوي لاحتمالات الانهيار، فماذا اذا لم يتوفر نقيض امريكا، ان شيئا من عالم تحكمه صراعات داخلية ضمن معسكر متشابه، قاعدته قيم موحدة، هو ما يمكن تخيله من اليوم وصاعدا. ليست الصين طامحة الي تغيير العالم، وهي لن تستطيع لو ارادت، وقواعد نهضتها الراهنة ستفرض عليها متغيرات بنوية ما فوق صناعية، الهند لن تفعل قطعا، اوروبا غير قادرة ولا مصلحة لها، روسيا طموحها الاكبر، ان يتاح لها الالتحاق بركب الاوائل، وهي تريد ان تناكف وتستعمل عدتها النووية الباقية، وحيوية تصنيعها العسكري، لحفظ كبريائها، واختراق حصون نادي المتقدمين، ازاء وضع من هذا القبيل، هل يمكن للمقاومات العراقية والافغانية والفلسطينيه واللبنانيه تغيير العالم، بعد ان تكبد امريكا الهزيمة الموعودة؟ لا بد انها ستحتاج قبل ذلك الي مشروع خارق للعادة؟ من مشكلات امريكا اليوم، هذا المأزق الخطير في العراق خصوصا، فبقية التهديدات هي نذر ما تزال بعيدة نسبيا، الصين ما تزال غير جاهزة، لكنها تقترب من الحضور، وعندما تتجسد، وتتحول الي تحد مباشر لامريكا، يصبح امام الامريكيين موضوعان متداخلان، فمن اسباب غزو العراق الاهم، رغبة استباقية امريكية في الامساك بصنبور النفط، علي امل التحكم به، وربما حجبه عن الصين، التي سيزداد شرهها للذهب الاسود،كلما تحركت ماكنة صعودها اسرع، ولن تستطيع تسريع صعودها الاقتصادي، قبل ان تضاعف حجم الاستهلاك النفطي العالمي، اذن امريكا لن تظل وحيدة، وهي بدأت تدخل عالم التفاعل مع عناصر الطور التاريخي الجديد، مما سيعيد اليها التوازن المفقود بفعل الانفراد .ما اثقل كتلة القوي والدول المابعد صناعية، حين تصطف وتكتمل كنظام متصارع ومتفاعل، وهي فوق قمة عالم غادر عصرا، وابتدأ عصرا اخر، وقتها يمكن ان يكون وضع امريكا، اكثر اتساقا، والمنعكسات الحالية داخل الكتلة الحاكمة، بفرعيها السياسيين، الجمهوريين و الديمقراطيين ، وقد ابتدآ يتنازعان، هو علي الارجح مظهر تفاعل انتقالي، لقد اطلق بوش الاب عام 1991 شعاره عن النظام الدولي الجديد ، ومن يومها وامريكا تطرح تصورات عن الشرق الاوسط الكبير ، و الشرق الاوسط الجديد . كل هذه رؤي دولة عظمي، تريد رسم صورة العالم كما تتخيله هي لوحدها، وبغياب الشركاء والمنافسين او المعترضين و الاعداء، وهنا يلح علي مثل تونسي بليغ يقول: ((اليحسب لوحده يفضل له الان بدامسار وضرورة اعتماد منظور للعالم، هو خلاصة توازنات المستقبل، كما تمثلها قواه الحية والفاعلة، مع كل ما يترتب علي ذلك من متغيرات اجبارية داخل كتلة الفعل الحيوي، في قلب الدولة الاقوي والاعظم، اذن امريكا نفسها تتغير، ولا بد ان تتغير، لن تظل امريكا امريكا في عصر ما بعد الصناعة والثورة الثالثة.من المحبط ان نتصور مثل هذه النهاية، فالولايات المتحدة الامريكية علي الارجح لن تنهار ، ومسارات التحول والانتقال الراهنه، تتجه الي مزيد من تكامل الكتلة الجديدة، السيدة عالميا، اقتصاديا وعسكريا، مع كل القدرات التكنولوجية الهائلة، المتاحة لهذا النوع من القوي، ولا شيء يبرر لنا الاعتقاد بان تلك الكتلة ستكون رحيمة بالذين هم في المستويات الدنيا من السلم، وقد يكتشف هؤلاء قريبا ان عالمهم قد غدا مغلقا، تحيط به طرق مسدودة، الا اذا تهيأت شروط اخري، واتخذ الصراع بين السادة الجدد ، منحي حادا، وحينها يمكن ان تبرز ثغرات، في قلب النظام الدولي القادم، وربما لا!!فالصراع والتوتر بين الضواري الجدد، علي طريقة اسلافهم الصناعيين، ادي وقتها الي الحربين العالميتين المريعتين، والي اكتشاف السلاح النووي، اليوم اذا احتدم الصراع، ونشأ سباق تسلح جديد، سيكون الممكن والمتوقع، اخطر بما لا يقاس، وعلينا ان ننتظر كل ما يمكن تخيله من الاسلحة التكنولوجية الفتاكة، وصولا الي احتمالات اللجوء الي التلاعب بالجينات، وطرق ابواب الانسان المعدل جينيا، وعند ذاك يخرج الصراع من نطاق التاريخي، وبدل ان ينتهي التاريخ، يبدأ تاريخ الابادة الثاني، ونتحول مجتمعين الي هنود حمر ، سائرين الي النهاية علي يد بشر صنعناهم بأيدينا.الاغلب ان الثورة من الان وصاعدا، ستنتقل لتحتل مجالا آخر، فقوة المستقبل العظمي، هي الخيال الخلاق، وفي عالم يحكمه الخيال، هنالك ايضا من يطمح الي العدالة والخير، وآخر لا يتوقف عن محاولة تكريس الغلبة والموت، لا يصيبكم الاعتقاد بان العالم مغلق فعلا، كل ما في الامر انه تغير، الامبراطوريات فيه، ستكون قاهرة للغاية وجبارة، وثورة الانسان والخيال الخلاق والامل، لا تقهر، انه مجرد عالم آخر وحسب.قبل الختام دعونا بمناسبة فرضية الخيال الخلاق ، نتحري زاوية تبدو جديرة بالاعتبار، ففي النظر الي المشهد الذي يحتوي علي مجموعة القوي الصاعدة، هنالك غلبة لبلدان ذات خلفيات غير اوروبية، ان امريكا نفسها تتميز بشيء من خصوصية بنوية، مقارنة باوروبا، فهل يعني هذا المظهر شيئا، كان يكون هنالك مثلا سر من الاسرار، يبرر المطابقة نظريا، بين البني الشرقية التي كانت معتبرة، غير مناسبة لاستقبال شروط التطور الصناعي، وبين قوة استعداد هذه، وتطابق بناها، مع مقتضيات وشروط الطور الحالي، الثالث من الثورة الصناعية، وهل يمكن العثور مستقبلا، علي محفزات بنوية، ينطوي عليها الشرق ، وتجعل دولةه صالحة، اكثر من سواها، ومن اوروبا بالذات، لاستقبال وتسارع العملية الانتاجية التكنولوجية فيها، ثمة ما يشير في هذا المجال، الي بعض الحقائق والي بعض ارث جدير بالملاحظة، مثلا النمور الاسيوية ، مثلا اليابان، مثلا كوريا، ولن نقول العراق، الذي كان يسير بفعل قوة النفط والديناميات الوطنية، للقفز من الحقبة الزراعية، الي الحقبة ما بعد الصناعية، (هذه مسألة عالجناها في ورقة قدمت الي مؤتمر جاكارتا لمناهضة العولمة في ايار (مايو) 2003 واعيد نشر اجزاء هامة منها في جريدة الحياة )، عموما، هذا واحد من المداخل، نحو عالم مفتوح، يصبح فيه الشرق هو موطن، او مركز الدينامية الحضارية والتكنولوجية، لكنه ليس عالم انهيار، ولا عالم انغلاق مطلق، انه وصفة للعالم المعتاد علي التناقض، ومن ثم علي السير، المطرد والمتعرج، الي امام.ہ كاتب من العراق يقيم في باريس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية