حاضرة الدولة الصُّلَيْحية ومحجّ طائفة البهرة

حجم الخط
1

خالد الحمادي
صنعاء-«القدس العربي»: الزائر لمدينة جِبْلة الواقعة في محافظة إب اليمنية، يشعر بعظمة الإرث العلمي والتاريخي الذي خلفته الدولة الصُّلَيْحِيّة الباطنية رغم قصر عمرها الذي لم يتجاوز المئة عام (1045 -1142) والتي اتخذت من جبلة عاصمة ملكها وكان لها حضور بارز في التاريخ اليمني.
ويؤكد المؤرخون أن الملكة الأبرز في الدولة الصليحية هي أروى بنت أحمد الصليحي، التي اشتهرت بدهائها وحصافتها في التعامل مع القضايا العصيبة في عصرها والتي أدارت شؤون الحكم في اليمن في ظل حكم زوجها وفي ظل أبنائها الذين تولوا الحكم بعد أبيهم.
يذكر المؤرخون أن الملكة أروى اقترحت على زوجها المكرم أحمد بن علي الصليحي نقل عاصمة الدولة الصليحية من صنعاء الى جبلة (حوالي 200 كيلو متر جنوب صنعاء) فرفض زوجها ذلك وقال لها كيف ننقل مقر الحكم من العاصمة التاريخية لليمن صنعاء الى مدينة مغمورة؟.
وذات يوم دبّرت له حيلة لاقناعه بفكرتها، دعت زعماء قبائل صنعاء والمناطق المحيطة بها فأقبلوا بأسلحتهم المختلفة، فما رأى منهم الملك إلا من هو حامل سيفه ومن هو حامل لرمحه ومن هو حامل عصاته وغير ذلك، وبعدها دعت زعماء منطقة جبلة وما جاورها فأقبلوا عليهم بأشياء مختلفة، فما رأى منهم الملك إلا من هو حامل الخراف ومن هو حامل الماعز ومن هو حامل العسل ومن هو حامل السمن، فسألت الملكة زوجها الملك، أيهما أفضل، العيش هنا في صنعاء أم في جبلة؟ فأدرك مغزى سؤالها ورد عليها «هؤلاء عدتنا للحرب» في إشارة الى قبائل صنعاء وقرر حينها نقل عاصمة حكمه الى جبلة.
وتعتبر جِبْلة من المدن اليمنية التأريخية المشهورة ويقصدها أبناء طائفة البهرة سنويا حتى اليوم من مختلف أرجاء العالم، كأحد المزارات الرئيسية في معتقدهم، والتي يؤمّها عشرات الآلاف من الحجيج البهرة سنويا والذين يعتقدون أن حجهم الى مكة لا يكتمل إلا بزيارة هذا المكان المقدس لديهم.
والبُهرة طائفة هندية مسلمة شيعية، يحرص منتسبوها على التوافد إلى مدينة جبلة نهاية شهر شعبان في التقويم الهجري من كل عام، وهو الشهر الذي توفيت فيه الملكة، ويقومون بزيارة ضريح الملكة اروى بنت أحمد الصليحي، التي يعتبرونها رمزاً دينياً في معتقدهم لاسهاماتها في نشر الإسلام في بلاد الهند والسند، حيث تقول الروايات التاريخية «إن الملكة أروى تبرعت بكل مجوهراتها الى الملك الفاطمي في مصر، وأوصته بنشر الإسلام في بلاد الهند».
وقال سكان محليون ان طائفة البُهرة الهندية المشهورة بثرائها وقوتها الاقتصادية في الهند والعديد من الدول في المنطقة، قامت بترميم جامع الملكة أروى ومقامها على نفقتها، باستثناء المئذنة، التي يقول تاريخيون إنها بنيت عقب زوال حكم الملكة ولذا لا يعتبرونها امتدادا لها.
ويذكر المؤرخون أن تسمية هذه المنطقة بجبلة تعود إلى عبد الله بن علي الصليحي الذي بناها سنة 1065 للميلاد وسماها جبلة على اسم يهودي كان يبيع الفخار في المكان الذي بنيت عليه، والتي أصبحت عاصمة للملكة التي انتقلت إليها من صنعاء في العام 1065 واستقرت فيها حتى وفاتها في العام 1138، وتم دفنها في الجامع الكبير الذي قامت بتشييده خلال فترة حكمها واتخذت من قصر دار العز مقرا لحكم الدولة الصليحية وكان يتكون من 360 غرفة بعدد أيام السنة وأصبح أطلالا في الوقت الحالي، ويتواجد في محيطه متحف الملكة أروى ومقامها ومكتبة الجامع الكبير.
وقامت الملكة ببناء مكتبة الجامع بالقرب من (مقام السيدة) وتحوي على مخطوطات نادرة وكتب، تقول الروايات المتواترة ان «نساء عصر الملكة أروى تبرعن بالذهب الخاص بهن من أجل كتابة القرآن الكريم بماء الذهب المزخرف».
ويؤكد باحثون تاريخيون أن (أروى) ليس هو الاسم الحقيقي للملكة، بل هو (السيدة بنت أحمد الصليحي)، وسُميت بـ(أروى) نظرا لأنها قامت ببناء ساقيتين لبلدة جبلة وجامع الجند في مدينة تعز القريبة منها، وأروت أهلها بالماء.
وأطلق المؤرخون القابا عدة على الملكة أروى منها (السيدة)، (الحرة)، (سيدة ملوك اليمن)، (عظمة المسترشدين)، (ذخيرة الدين)، (عمدة الإسلام) و(كافلة أولياءه الميامين).
وتبدو مدينة جبلة للزائر وكأنها تحفة معمارية بديعة بمبانيها التاريخية المقامة وفق تصاميم هندسية متميزة، أضفت عليها خصوصية نادرة وميّزتها عن بقية المدن اليمنية، حيث تعتلي هضبة جبلية منبسطة زادت من جمالها وسحرها الذي يسلب الأنظار ويأسر القلوب.
وتتمتع المدينة بجمعها بين الجمال الجذاب والطبيعة الساحرة الخلابة والخضرة الفاتنة بالاضافة الى خاصيتها التاريخية والروحية لدى البعض، والتي اشتهرت حتى وقت قريب بالوجهة العلمية التي يرتادها طلبة العلم الشرعي من مختلف أرجاء المناطق اليمنية للحصول على المعارف في مختلف المجالات قبل انتشار الجامعات الحديثة.
وتعتبر جبلة من المناطق الخضراء التي يندر أن تجمع كل هذه المواصفات في مكان واحد، حيث تكسو المساحة الأغلب من أراضيها الخضرة وساعدها في ذلك مناخها المعتدل الجميل الدافئ صيفاً البارد شتاءً، وتمتاز عن غيرها من المناطق اليمنية بغزارة الأمطار التي تهطل عليها في أطول فترة، حيث يعتبر موسم الأمطار في جبلة من الأطول وهو ما صبغها بالخضرة الدائمة على مدار السنة وجعل منها وجهة يقصدها السياح والـزوار طوال العام من داخل وخارج اليمن.
ومن أبرز معالمها التي استقرت فيها ومازالت شاخصة حتى اليوم، الجامع الكبير الذي يقع فوق تل مرتفع وله مئذنتان ويعود تاريخ بنائه الى القرن الحادي عشر الميلادي ويزخر بالزخارف المعمارية المماثلة لما عرف في الدولة الفاطمية في مصر.
وتحتل مكتبة الجامع الكبير الذي يطلق عليه جامع السيدة أروى حتى اليوم مكانا فسيحا ولكن القارئ لمكنوزات هذه المكتبة «يشعر بالفخر لما وصلت إليه المرأة اليمنية في ذلك العصر المتقدم ليس فقط لأن السيدة أروى كانت تتربع على عرش اليمن، بل لأنه كانت إلى جوارها نساء عالمات ويتضح ذلك من المخطوطات والكتب والشروحات عليها التي قامت بها نساء كن في عهد الملكة حيث سطرن بأناملهن الرقيقة تلك المخطوطات والكتب بخط جميل كما تلك الأسماء وعقولها النابغة في العلم والمعرفة وعلى رأسهن الملكة أروى التي كانت ضليعة وعالمة بأخبار التاريخ والعلوم المعرفية الأخرى ولها التعليقات والشروحات للعديد من الكتب التي تضمها المكتبة» وفقا للمصادر التاريخية.
والجامع الكبير الذي يتوسط المدينة يتكون من صحن مكشوف أشبه بالجامع الكبير في صنعاء ويمتاز بطابعه المعماري الفريد حيث تلعب الزخارف البديعة على الجدران وفي الأعمدة والعقود والمآذن والقباب والمصندقات الخشبية عامل جذب للزوار والسياح، وتحتوي هذه الزخارف على آيات قرآنية مكتوبة بالخط الكوفي، بالإضافة إلى زخارف إبداعية أكد القائمون على إدارة المسجد أنها تشبه تلك التي تزيّن مساجد الدولة الفاطمية في مصر. ويعتبر الجامع الكبير في جبلة مركزاً علمياً منذ عهد الملكة أروى وحتى الوقت الحاضر، كما توجد ملحقات منها القبة التي تحتضن ضريح الملكة والمكتبة التي تحتوي على العديد من الكتب والمصنفات العلمية والمخطوطات.
ويقع في أسفل المدينة مبنى أثري مكون من عدة طوابق هو دار السلطنة ويسمى بـ(دار العز) وهو مقر الحكم في عهد الملكة أروى وزوجها المكرم أحمد بن علي الصليحي وهو عبارة عن مجموعة من البنايات التي كانت مراكز الإدارة لعاصمة الدولة الصليحية وكان يحتوي على 360 غرفة محاطة بسور حجري تتوسطه بوابة كبيرة تلاشت آثارها بفعل عوامل التعرية وأصبحت دار العز اليوم من المعالم الأثرية البارزة التي تزخر بها جبلة.
ويقع في أعلى الجبل المطل على المدينة حصن التعكر والذي كان بمثابة السد المنيع الذي يحمي المدينة من أي عدوان، حيث كان يحيط به سور كبير ونوبات حراسة منتشرة على امتداد السور الذي لاتزال أجزاء منه ظاهرة للعيان. وتوجد داخل الحصن المدافن الخاصة بالحبوب وتخزين السلاح بالإضافة إلى مجموعة من الأحواض المائية المصونة بمادة الجص، حيث كانت تستخدم تلك الأحواض لتجميع المياه لاستخدامها في الري والشرب. وتشير المعلومات إلى أن الملكة اقامت نفقا أرضيا سريا يربط دار العز بحصن التعكر والسواقي القديمة والسوق القديم في المدينة، ضمن الإجراءات الأمنية الإحترازية التي كانت سائدة في عهد الدولة الصليحية.
وأقيم حديثا في جبلة بجوار بقــايا دار العز متحف لمآثر العهد الصليحي في اليمن أطلق عليه متحف الملكة أروى التاريخي ويضم العديد من الغرف الصغيرة التي يضمها مبنى قديم ربما كان من ملحقات دار العز يتكون من عدة طوابق. ويضم المتحف أجزاء من الأدوات والنماذج التي كانت مستخدمة في زمن الملكة أروى مثل أدوات الحرب والأكل والزراعة والحدادة والنجارة ومختلف المهن في ذلك العصر الذهبي الذي وصلت فيه الحرف الفنية إلى أعلى درجاتها وأزدهرت فيه إلى جانب النماذج التي تصور طرق التدريس والمناهج التي كانت تدرس في عصر الملكة وكل ذلك مصحوب بتعليقات تبرز تاريخ الملكة والأدوار التي قامت بها طيلة 55 عاما من حكمها لليمن بما في ذلك حياتها الخاصة وأقوالها ووصاياها.
وتعتبر الملكة أروى (1098 – 1138م)، أول ملكة في الإسلام وتلقب بـ «السيدة الحرة» الذي غلب على اسمها في كتب التاريخ. تزوجها المكرّم أحمد بن علي الصليحي سنة 1065م في حياة أبيه، وتولى الحكم من بعده (1066-1088م).
وذكرت المصادر التاريخية أن زوجها المكرم فوّض الأمور إِلى زوجته السيدة أروى، بسبب اصابته بمرض الفالج، فكان أول ما قامت به بعد أن غادرت صنعاء، أن اتخذت مقرا لحكمها في قصر شيّده زوجها في حصن في جبلة ونقل إِليه ذخائره وقامت بتدبير المملكة خير قيام وبسطت سلطانها على القبائل اليمنية، وخضع لها الناس، وكانت الرسائل التي يبعث بها المستنصر بالله الفاطمي من مصر إِلى اليمن تصدر باسمها.
واعتمدت الملكة أروى في تدبير أمور الملك على عدد من الثقات، وامتدت أيام حكمها بعد ذلك أربعين سنة، استطاعت خلالها أن تمارس سيادتها على جميع الإِمارات اليمنية الصغيرة من دون إِخضاعها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية