عبقرية المكان

د. نورالدين ثنيو
حجم الخط
0

عندما يلتمس الحراك الشعبي الأسلوب السلمي المتمدن ويتحلى بروح التواصل الأخلاقي، يصبح قوة سياسية صرفة، ويعبر عن عمومية المكان الذي يجري فيه الحراك. فالميادين والساحات هي مجال لكافة السلطات التي يصنعها الشعب لنفسه، يقرر بها مصيره، أولها إزالة الحكم الفاسد. والأصل في عمومية المكان أن الجميع يأتي إليه بصرف النظر عن تراتبيته الاجتماعية ومركزه القانوني والسياسي، كما أن الصفة العمومية للمكان تنصرف إلى تلازم الساحات والميادين للمجالات التي لا تقبل الحصار ولا الغلق ولا التضييق، بل فضاءات مفتوحة على السير العمومي، لا بل الإنساني على ما نلحظ ونشاهد في كبرى العواصم في العالم.

الميادين والساحات العامة التي تحتضن حراك الجماهير الجزائرية تعبر عن روح الجماعة التي خرجت في مسيرات عارمة تمارس سلطتها في تغيير النظام الفاشل وتحاول أن ترسم مستقبلها في إطار دولة القانون والحق. فقوة السياسة التي يتمتع بها الشعب في حراكه يستمدها من صلب الجماعة، الهيئة التي اكتملت صياغتها في الميادين والساحات العامةـ فلم يعد هناك أفراد ينوبون عن الشعب وينعدم الخاص تماما، لأن صاحب السلطة في الميدان يتمتع بقوة سياسية مطلقة لا يحيل صلاحياته إلى أي جهة كانت. وحده الشعب سيد نفسه ولا من يمثله، بعد أن فقد النظام الصفة الشرعية واكتشاف سلطاته المزيفة والفاسدة.

الميادين والساحات العامة مجال مفتوح للملأ العظيم ليبدي رأيه في قضايا الوضع، وكيف يمكن أن يتجاوز الأزمة ومعضلاتها. تتسع للرأي المشترك والأفكار المختلفة التي لا تفسد ود القضية، بل تحفظ وتصون مصلحة الجميع، لأن التعبير الذي يجري في الأمكنة العامة يتم بصيغة ضمير الجمع وليس المفرد، ومن هنا عبقرية المكان العام، حيث يتحوّل إلى منبر مشترك يسع الجميع ولا يسمح بالإفراد بالرأي أو انفراطه وانفلاته. فعمومية المكان تنطوي بالضرورة على فكرة الشعب في أجلى معانيها المباشرة وليس في حالة نيابة عنه. ففي عصر وجود الجماهير في الساحات والميادين العامة لا نيابة عن الشعب بل يمارس السلطة بالأصالة عن نفسه ولا يدخل أبدا في صراع مع نفسه، كل شيء يجري بتلقائية وتفكير محايث لما تفصح عنه الأوضاع لحظة بلحظة.

المقاومة السلمية، كما يجسدها الحراك الشعبي قوة سياسية محضة، تكثف كافة صلاحياته في اللحظة القائمة، ولا يتركها إلا عندما يحيلها إلى مؤسسات وهيئات وأجهزة قانونية تفرزها انتخابات شفّافة ونزيهة وحرة تؤسس لبداية الديمقراطية في الجزائر كنظام حكم. فأعظم انجاز للحراك في الجزائر أن التَقَى الكُل مع الكُلِّ أي لقاء الذات الجزائرية مع نفسها في لحظة اكتشاف عظيم، لا يتوفر إلا قليلا في حياة المجتمعات البشرية التي تقطن عالمنا المعاصر. فلحظة اللقاء الكبير مفعمة بروح التواصل والإصرار العنيد على الإنخراط في المدى التاريخي المناسب لتحقيق المطالب التي من أجلها خرج الشعب إلى الساحات والميادين العامة.

لا يغرب على أحدنا أو على الأصح على كلِّنا، أن ما يجري في الساحات العامة من مسيرات هي لحظة استثنائية في حياة الجزائر، مجتمعا ودولة. لحظة لها من القوة السياسية المطلقة لكي ترتب الأوضاع القانونية القادمة. وعليه، فالنجاح الذي يراهن عليه الحراك هو في مدى قدرته على تنصيب مؤسساته العامة التي تتحلى بقدر كبير من الشرعية وبالقدر الذي تُعَبِّر عنه بشكل حقيقي. ولعلّ أوضح تعبير على ذلك يتمثل في توكيد وتجسيد الديمقراطية كنظام حكم لا يقبل أي افتئات أو انتهاك.

عبقرية المكان الذي تتم فيه المسيرات الشعبية بطابعها السلمي المنظم، تظهر أول ما تظهر في قدرة ساحاته على ترشيح الشخصيات السياسية القادرة على الاضطلاع بمهمة تدبير شأن البلد في لحظته الانتقالية، كما في مرحلة تجسيد المؤسسات الدستورية والقانونية. فالمكان عمق محلي وطني يعبر عن كافة الجهات والأطراف لا يترك أي مجال لأي نزعة عشائرية قبلية ومناطقية، لأن عصر المدن عصر يأبى الشوفينية والعنصرية والطائفية. وإطلالة خاطفة على ما يجري في عالمنا العربي منذ أكثر من عقد يفصح بأكثر من دلالة قاطعة على أن سبب انهيار أنظمته السياسية مع أشخاصها هو تماديها في الحكم على خلفية الحزب أو العائلة أو المذهب أو الشلّة الانقلابية.

وهكذا، فالمدن الجزائرية على كثرتها، وفّرت ساحاتها لعملية سياسية عظيمة للشعب الذي خاض حربا ثورية مسلحة ضد استعمار لم يكن يدرك قيمة ومعنى إصلاح الأوضاع بما يناسب العيش معاً والتَّساكن المشترك. في مثل هذه الحال، كان اللّواذ إلى الكفاح المسلح هو السبيل الحتمي لمواجهة السلطة الاستعمارية وتجاوزها إلى الاستقلال والسعي إلى بناء السيادة الجزائرية. لكن الأمر أختلف تماما عندما لاذ الشعب إلى حراك في الساحات العامة، ملتمسا هذه المرة أقوى سلاح هو النضال السلمي المسالم من أجل تنحية النظام الفاسد وتخطيه إلى بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية القارة، التي لا تزول بزوال الحكام وعُصَبِهم. فما يعزز ويقوِّي من عبقرية المكان أن الحراك يَجْري في المدن ومن هنا مَدَنِيَّته ويتم فيه تداول ومناقشة قضايا الساعة في لحظتها الفورية وبلا انقطاع ومن هنا ديمقراطيته، فضلا عن سلميته التي تَشّل بقايا النظام الحاكم عن أي تفكير في اللجوء إلى استخدام القوة وما في حكمها. بتعبير آخر يفيد المعنى ذاته، أن الخاصية السلمية للمسيرات الشعبية وتلقائيتها المنظمة في المكان (الساحات العامة) والزمان (يوم الجمعة) يرشحها إلى الاعتصام الدائم بالخط السليم الآمن إلى تحقيق مطالب الجماهير وتطلعاتها.

بعد كل ما تقدم، لا يمكننا أن نتوقف في سرد ما تُعَبِّر عنه مشاهد الساحات والميادين العامة من انسجام ينم عن اكتمال صيغة الفعل المؤسس لما بعد الحراك، ويجب أن يفضي إلى إرساء مؤسسات الدولة بما يوحي به الحراك كسلطة قائمة بذاتها لا تحتاج إلى البحث من خارجه لإنجاز مشروعه السياسي الكبير. فهو يمتلك قوته من ذاته ولذاته. فقد باءت محاولات الترقيع السياسي بجلب شخصيات سياسية وتاريخية من الخارج بالفشل الذَّريع، ولعلّ أقواها الرئيس المستقيل الذي روّع البلد بطريقة حكمه التي لم تكن على صلة بواقع الوطن ومتطلباته. ومن هنا، فقوة الحراك في تماسكه الذي لا يترك أي مجال للعبث والمغامرة والترقيع السياقي أو الطارئ لسبب بسيط تفرضه يوميات الحراك وأمكنته، وهو أن الجهة الحصرية التي تحوز على السلطة السياسية المطلقة هي إرادة الشعب التي لا تدع أي قوة أخرى تعلن حال طوارئ أو انقلاب سياسي أو فرض الأحكام العرفية. في الأخير، وليس آخرا، أن سلطة الساحات العامة هي التي تُخْبر عن حالة عجز بقايا النظام القائم عن تدبير منفرد للحكم وتثنيه عن أي مغامرة، لأنه يتوجه نحو فقدان متتالي لإمكاناته وقوته طردا مع امتلاك متوالي للحراك قوته السياسية المطلقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية