الإعلام في عين الحراك  

محمود بن زيان
حجم الخط
1

منذ 22 شباط/فبراير تشهد الجزائر حراكا هو محصلة لما تراكم عبر سنين، وتجاوز ما طبع الحركات الاحتجاجية السابقة. حراك لم يتوقع أي طرف بلوغه هذا المستوى، الذي فاجأ بسلميته وتمدنه، وبإبداعه وبتمكنه من تجاوز هندسة الغيتوهات التي تشتغل عليها محاور أسيرة الدوغمائية. حراك واجه الجميع ووضعهم أمام امتحان التاريخ.

حراك أنجز نفسيا تحررا وشحن بديناميكية واعدة، وحمل إرهاصات انبثاق نخب من رحمه وتشكل تقويم جديد بالانتقال إلى ما ظل غائبا، والغائب هو ما عبّر عنه أحد الباحثين الجزائريين لما ذكر بأننا تمكنا في الكفاح ضد الاستعمار من إبداع آليات إنتاج المقاومة، لكن لم نتمكن من إبداع آليات إنتاج القوة.

تتسارع الأحداث، وتحضر تأثيرات التحول بمؤشراته الديموغرافية والتقنية، وأيضا بمعطيات متصلة بالتدافع وإعادة التشكلات الجيوسياسية والجيواستراتيجية. ويعتبر ما يحدث راهنا المحطة الثانية بعد أكثر من ثلاثين سنة على أحداث تشرين الأول/أكتوبر، محطة واجه فيها النظام المأزق، وهو مأزق بنيوي مرتبط بما سبق للمرحوم عبد الحميد مهري الإشارة إليه في رسالة إلى رئيس الجمهورية في سنة 2011 لما كتب: “إن نظام الحكم الذي أقيم بعد الاستقلال انطلق، في رأيي، من تحليل خاطئ لما تقتضيه مرحلة بناء الدولة الوطنية. فقد اختار بعض قادة الثورة، في غمرة الأزمة التي عرفتها البلاد سنة 1962، استراتيجية سياسية انتقائية لمواجهة مرحلة البناء بدل الاستراتيجية الجامعة التي اعتمدها بيان أول نوفمبر 1954، والتي سادت، رغم الخلافات والصعوبات، في تسيير شؤون الثورة لغاية الاستقلال. فأصبح الإقصاء، نتيجة لهذا الاختيار، هو العامل السائد في التعامل السياسي، ومعالجة الاختلاف في الرأي. وأصبحت الفئات أو الدوائر السياسية التي تحظى بالاختيار في أول الشهر، عرضة للإقصاء والتهميش في آخره. فنتج عن هذه الممارسة، التي سرت عدواها لبعض أحزاب المعارضة، عزوف آلاف المناضلين عن العمل السياسي، وانكماش القاعدة الاجتماعية لنظام الحكم، وتضييق دائرة القرار في قمته.

وقد ورث نظام الحكم، بالإضافة إلى طابعه الاقصائي، أنماطا وممارسات أفرزتها ظروف الكفاح الصعبة، وتبناها في تسيير الشؤون العامة بعد الاستقلال. كما تغذى باجتهادات واقتباسات لم ينضجها النقاش الحر، ولم يصقلها، عبر مراحل تطورها، التقييم الموضوعي، الذي كان هو الغائب الأكبر في تجربة الحكم عندنا”.

كلمات المرحوم مهري لخصت ما يمكن قوله. كما أن ما يحدث وما يربك المتابعين، دفع عالم الاجتماع هواري عدي إلى القول: “تقف العلوم السياسية قاصرة أمام تحدي دراسة النظام الجزائري، فهو يقع أكثر تحت نطاق الأنثروبولوجيا السياسية”.

وفعلا تبدو الأنثروبولوجيا السياسية ومعها علم النفس أيضا من المداخل المهمة لفهم واستيعاب ما يحدث.

 وكما أبدع الشعب في مواجهة الكولنيالية الآليات المضادة حفاظا على كينونته ومواجهة لاستراتيجية سحقه، يبدع اليوم في الشارع ما يحرره من رق التدجين وخطط الترويض. ويبدع باستيعاب واتعاظ بما سبق، وهذا ما يترجمه الإصرار على الاستمرار وعدم الاقتناع بما يقدم من تسويات لا تستجيب لفحوى رسالة الجمعات المتتابعة.

خرق الحراك الغلق ووضع لبنات انبعاث الفضاء العمومي، فبالتوازي مع المسيرات صارت الساحات تشهد نقاشات وعروضا فنية وتدون مقترحات. وبعد سنين من خطاب الوطنية تحرك الشارع من أجل المواطنة، مواطنة تستكمل ما أنجزته معركة الوطنية، ولخصت عبارة ساخرة، سخرية سوداء الوضع، عبارة “الوطنية للفقراء والوطن للأغنياء”.

وفي خضم الحراك كان الإعلام مجددا أمام مرآة التاريخ، الإعلام الذي تعرض لعمليات جردته من فحواه واشتغلت على تحويله إلى لا إعلام، إلى دعاية وإشهار. إعلام تواجهه ضغوط مركبة، بداية من غياب استراتيجية الاتصال وانسداد قنوات سيولة المعلومات إلى سلاحي الإشهار والطباعة الموظفين للابتزاز والترويض.

ومن حسنات الحراك أنه حرك، وامتد إلى المنظومة الإعلامية التي تصارع أخطبوطا سياسيا ـ ماليا، صراعا تعبّر عنه تيارات تحضر في منابر، حضورا مرتبطا بالمحاور المتصارعة داخل منظومة هيمنت طيلة عقود، وتتصارع الآن بشراسة من أجل استمرارية الهيمنة. في مواجهة ذلك الإعلام، كان الاتصال الجماهيري مستثمرا بتمكن وذكاء وإبداع، كان الحدث ينقل فوريا بالصوت والصورة، وكانت الصياغة الفنية الساخرة بإعادة توظيف مقاطع من أعمال سينمائية ومسرحية وغنائية.

ولكن لا يمكن تجاهل دور إعلاميين واجهوا غول المنظومة، وفضحوا وكتبوا كالحفي محمد بن شيكو الذي كتب كتابا، كان السبب في سجنه، كتاب “بوتفليقة بهتان جزائري”. والصحافي محمد تامالت الذي يعتبره البعض خاشقجي الجزائر نظرا لموته في السجن نتيجة اعتداء عليه، ومن الذين يمكن أيضا ذكرهم الكاتب علي رحايلية الذي أصدر كتابا بعنوان دال هو “مواطن لا ابن كلب” وهو كتاب ضم مقالات نشرها. وهناك عناوين تم دفنها وأخرى تم تضخيمها لأداء المنشود.

بعد غياب سنين تم مؤخرا في حكومة بدوي تعيين ناطق رسمي لها، وبعد مدة من إنشائها ورغم كل الكوارث التي سجلت وأثارت الغضب صمتت سلطة ضبط السمعي البصري، ولم تتحرك إلى يوم السابع عشر من الشهر الجاري ببيان دعت فيه إلى “الالتزام بأخلاقيات المهنة ذات الصلة وبالضوابط القانونية بما يحقق حق المواطن في إعلام موضوعي ومحايد وكامل بعيدا عن الخلط بين تقديم المعلومة والتعليق عليها عند نقل الوقائع والأحداث وبث الصور وإدارة الحوارات والمقابلات” و”ضرورة الحرص الصارم على تقديم خدمة إعلامية عمومية بكل شفافية وعلى الامتناع عن تقديم كل ما يستهدف صراحة أو ضمنا خدمة مصالح فئوية مهما كانت طبيعتها، وكذلك المساس بالحياة الخاصة للأشخاص وسمعتها ومقومات الشعب ورموز الجمهورية”.

ولم تعين بعد سلطة الضبط للصحافة المكتوبة.

ويتابع الجزائريون هذه الأيام معركة بين مجموعتين إعلاميتين حول أعمال مبرمجة لشهر مضان، معركة مرتبطة بصراع المحاور الذي تشهده الساحة الآن، محاور النظام، وهو ما يلخص ما يمكن التفصيل فيه عن التشابك بين الإعلامي والسياسي والمالي والأمني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية