الجزائر: مطلب التغيير يضع الجيش في مأزق ويخيف القوى الرجعية وترامب لن يساعد

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في الجزائر الثورة مستمرة، وفي كل جمعة يخرج الجزائريون في احتجاجات ضخمة يطالبون بتفكيك النظام البائد والبدء ببناء جزائر جديد. وكانوا يعرفون منذ البداية أن المهمة صعبة وأن القوى المضادة التي تعمل ضدهم حفرت خنادقها وتمترست فيها منذ عقود وأن “السلطة” كما هو الحال في دول الربيع العربي الأخرى لن تتخلى عن مكاسبها وستحاول شراء الوقت حتى تعيد ترتيب نفسها من جديد.

وكما هو الحال في السودان فالجيش الذي حاول قمع احتجاجات الخبز في عطبرة وافق على التخلي عن الرئيس عمر البشير مقابل إنهاء المعتصمين اعتصامهم، لكن الجيل الثاني من أبناء الربيع العربي تعلم من انتفاضات عام 2011 ومصمم على منع الثورات المضادة التي بدت واضحة في السودان من خلال دعم الثلاثي المصري-السعودي-الإماراتي المجلس العسكري الانتقالي.

ما بعد بوتفليقة

وحدث التغيير بعد ما تحرك الجيش واستجاب لمطالب المحتجين بعزل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي ظنت “السلطة” أنها قادرة على ترشيحه لعهدة خامسة.

كان المطلب الرئيسي هو منع بوتفليقة من “العهدة الخامسة” إلا أن المتظاهرين استمروا وهم يطالبون برحيل النظام الذي كان يحركه. وبدا قائد الجيش الجنرال أحمد قايد صالح محوريا في مرحلة ما بعد بوتفليقة، وقام بعمليات تطهير للخصوم واستهدف رجال الأعمال الذين انتفعوا وأثروا من فترة الرئيس السابق على أمل السيطرة على الأمور والقضاء على زخم التظاهرات الأسبوعية. إلا أنه كان في الجمعة العاشرة هدفا لغضب المحتجين الذين هتفوا “الجيش ليس الحل” وعلى قايد صالح الخروج. إلا أن الجماهير منقسمة على ما يبدو حول دور الجيش الذي ظل يلعب دورا مهما في سياسة البلاد منذ الاستقلال عام 1962. وتزامنت الجمعة العاشرة مع تحقيقات الفساد التي زادت وتيرتها خاصة أن قائد الجيش شجع الأجهزة القضائية على زيادة حملاتها لمواجهة الفساد والذي كان مطلبا مهما للمتظاهرين. ويعتقد أن دعوات قايد صالح لمكافحة الفساد محاولة لاسترضاء الجماهير قبل الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في 4 تموز (يوليو). ولم يكن الجيش هدف المتظاهرين الوحيد في الجمعة العاشرة بل وكان شقيق الرئيس السابق سعيد بوتفليقة الذي سماه المتظاهرون “رئيس العصابة”. وتم احتجاز سعيد كجزء من تحقيقات الفساد إلى جانب رجال أعمال آخرين أهمهم يسعد ربراب الذي يعتقد أنه أغنى رجل في الجزائر. ورغم ما يحمله الحراك الجزائري من وعود بالتغيير وإنجاز شيء فهم لا يريدون تدخلات دول المنطقة التي خافت من وصول عدوى التغيير إلى شوارعها ولهذا استثمرت المليارات لتدمير دول العرب الأخرى.

تحديات المعارضة

وطالما لم يرض المتظاهرون في الشارع عن الحلول التلفيقية التي يتقدم بها الجيش ستظل البلاد تعيش مأزقا. والجيش يظل محورا في الأزمة بالإضافة للمعارضة المنقسمة على أمرها. ووجدت هذه مثل الجيش نفسها أمام تحد جديد بعد سنوات من التهميش والملاحقة. وفي تقرير لمجموعة الأزمات الدولية ببروكسل نشرته 26/4/2019 قالت فيه إن رحيل بوتفليقة وإن كان مهما إلا أنه يعلم مرحلة من الغموض، خاصة أن النظام الذي قاده لا يزال في السلطة وزاد من قمعه من أجل إقناع الجماهير على القبول بالأمر الواقع. وفي ظل تمسك النظام بمكاسبه والجماهير بمطالب التغيير يجب أن يلتزم الطرفان بالسلمية التي طبعت الأسابيع الخمسة التي أدت لرحيل بوتفليقة وظلت مستمرة في هدوئها وسلميتها بعد تنحيه عن السلطة. وبدون حوار بين النظام وجماعات المجتمع المدني والتوافق على خطة طريق مقبولة للجميع فمخاطر الدخول في حالة العنف تظل قائمة. وترى المجموعة أن التخلص من بوتفليقة كان المرحلة الأسهل ولكن الأطراف ذات المصلحة في خروجه لم تتفق بعد على شيء بحيث أدخلت البلاد في حالة انسداد للأفق. والمطلوب من السلطات اليوم هو تقديم إشارات واضحة عن التغيير وأنه قادم. ولتحقيق هذا يجب على السلطات فتح حوار مع قادة المجتمع المدني الذين يقبل بهم المحتجون والتوافق على خطوط لعملية الانتقال السياسي تعطي ثقة بالمرحلة المقبلة وتمنع البلاد من الدخول مرة أخرى في دوامة عنف لا تزال ذكرياتها حاضرة في النفسية الجزائرية. وأكدت المنظمة على أهمية أن يكون التغيير من الداخل وأي محاولة تدخل خارجي ستقوض من شرعية الانتقال السياسي. ورغم محاولات السلطة تقييد حركة التظاهرات والتجمعات الأسبوعية من إغلاق الشوارع المؤدية إلى منطقة التظاهر واستهداف المتظاهرين بخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي واحتجاز بعض المتظاهرين إلا حجم الحراك لم يتغير. وهاجم الجنرال صالح المتظاهرين عندما قال إن جماعات أجنبية اخترقتهم، في خطوة اعتبرها الحراكيون محاولة لتشويه مطالبهم. وفي تصريح آخر اعتبر أن مطالبهم بالتغيير الجذري غير واقعية. وفي غياب القيادة الواضحة أو الصوت الممثل للمتظاهرين، يخشى أن تستفيد الأحزاب التقليدية التي لا يثقون بها من الضعف. فقد أثبت الحراك قدرته على تنظيم تظاهرات والاحتجاج لكن الجماعات التي تحركه سواء كانت اتحادات نقابية أو جماعات حقوقية ومنظمات عمل مدني، لم تتفق على خطة عمل واضحة. ففي الوقت الذي يعتبر الحراك الأحزاب والقيادات التقليدية جزءا من النظام السابق وتطالب بوجوه جديدة إلا أن هذه الأحزاب وجدت مدخلا للعب دور عبر مسألة الانتخابات، ففي 16 نيسان (إبريل) أصدرت عدة جماعات سياسية، إسلامية، ويسارية ووسط مثل حركة مجتمع السلم وحزب العدالة والتنمية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بيانا طالبت فيه بمقاطعة الانتخابات طالما لم تقم السلطة بالتغييرات الضرورية بما في ذلك إنشاء مفوضية مستقلة للانتخابات للتأكد من نزاهتها. والتقى في 18 نيسان (إبريل) قادة سياسيون مع الرئيس بن صالح حيث دعاهم للمشاركة في الحوار الذي يهدف لإنشاء هيئة مستقلة مهمتها التحضير للانتخابات في تموز (يوليو). ولكن المتظاهرين يرون في الحوار خدعة، تتعاون فيه السلطة مع الأحزاب السياسية التي أخضعتها في الماضي. ولهذا ردوا في كل من 12 و19 نيسان (إبريل) بتظاهرات حاشدة ضد مبادرات بن صالح. كما أن الخطاب المتشدد القادم من السلطة والقمع المتنامي أقنع المتظاهرين بأن لا أمل في الحوار مع نظام يرفض التغيير علاوة على احترام مطالبه بل ويواصل احتقارهم.

تنامي الحركة

ووسط مناورات السلطة تتنامى الحركة التي باتت تجذب إليها قطاعات أخرى من جنرالات في الجيش أحيلوا على التقاعد مبكرا ورجال أمن غاضبون على تفكيك دائرة الاستخبارات والأمن عام 2015 ورجال أعمال حرمتهم قبيلة بوتفليقة من توسيع أعمالهم. وقرر الكثيرون وضع ثقلهم إما علنا أو من خلف الستار وراء الحركة. ويشجعون الآن قطاعات أخرى مثل حركة العمال والقضاء التعاون ومواصلة الضغط لإحداث تغيير حقيقي في البلاد. وتظل الحركة والقطاعات المشاركة فيها متحدة على مطلب واحد وهو التغيير بدون تفاصيل أو رؤية حول كيفية إحداثه. ولهذا السبب حاولت السلطة الاستفادة من غياب القيادة الموحدة للحركة وحاولت اخضاعها، وتفريقها بذريعة محاربة الفساد أو تصفية الحسابات الداخلية. فاعتقال رجال أعمال مثل علي الحداد، رئيس منتدى رجال الأعمال المستقيل وعدد آخر هو جزء من عمليات التطهير وتصفية الحسابات ولكنها لم تغير الكثير من بنية النظام حسبما قال مسؤول سابق.

قوى مهمة

ومع أن الحركة أكدت على اللحمة الجزائرية والمواطنة التي تتعالى على الفوارق الدينية والعرقية والجهوية إلا أن التغيير يفتح الباب للتعامل مع ملفات الماضي وتسويتها بناء على القانون والعدالة. وفي الحراك الجديد لعبت المرأة دورا مهما. وترى الأستاذة جيسكا مسيلم، بجامعة ساوث، سيواني في ولاية تينسي أن جزائر ما بعد بوتفليقة ستلعب فيها ثلاث جماعات مطالبة بالتغيير دورا. وقالت في “واشنطن بوست” (26/4/2019) أن الجماعات هذه تمثل موضوعات ستواجهها الجزائر وهي تتعامل مع الماضي: ملف المفقودين في العشرية السوداء، وضحايا الربيع الأسود في مناطق القبائل 2001 وحقوق المرأة. ومع أن التعامل مع مطالب الحركات الاجتماعية ليست الشاغل الرئيسي للحراك الحالي ولكنها ستكون فاعلة في التغيير القادم لأن مطالبها قائمة على تحقيق العدالة.

أين أمريكا؟

ولم يتم حسم المعركة في الجزائر بعد، ففي ظل تصارع الإرادات في أكبر بلد مساحة في العالم العربي وأفريقيا فما يجري به مهم للمصالح الأمريكية والغربية كما يقول المحلل بروس ريدل في موقع “بروكينغز” (25/4/2019) والذي أشار للعلاقة المعقدة بين الجزائر والولايات المتحدة في الماضي ومن غير المتوقع والحالة هذه أن يلعب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دورا إيجابيا في عملية التحول السياسي. ويقول الكاتب إن إدارة أوباما وضعت خطة للتعامل مع الوضع في الجزائر بعد مرض بوتفليقة لكن “السلطة” فضلت بقاء الرئيس المقعد. ويكتب ريدل قائلا إن الجزائر مهمة للمصالح الأمريكية ويمكن أن تصبح وهي الثرية بالنفط والغاز الطبيعي نموذجا للإصلاح والانتخابات الحرة. ولهذا السبب تشعر الأنظمة الرجعية بالخوف. إلا أن الرئيس ترامب الذي أصبح في جيوب المستبدين في السعودية ومصر لن يتحرك وسيشجع على دعم الجيش كما فعل بتبنيه الجنرال خليفة حفتر الذي يهاجم عاصمة بلاده بدعم سعودي-مصري-إماراتي. ويدعو إلى اتباع أمريكا مثال جي أف كيندي ودعم حركة التغيير الجزائرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية