القاهرة – «القدس العربي»: من سمات الدولة الفاشلة انها تتبرأ من أزماتها بالبحث عن ضحية تعلق عليه أسباب فشلها كي تهرب من المساءلة. والأسبوع الماضي مرت الحكومة المصرية باختبارات قاسية ولاحقتها اتهامات بالفشل طالت حتى الرئيس الجديد والذي لم يهنأ بعد بالمنصب، حيث مازال في الشهور الاولى من عمر ولايته يرى بنفسه أن شعبيته تتآكل فيما يفشل سحرة اعلامه في الدفع باحتياطي من المشاعر المؤيدة له فيما تبدو حكومته عاجزة عن فعل أي شيء يحول بينها وبين الانتقاد الذي بدأ يتعرض له الرئيس على إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية وانهيار الخدمات الأساسية. فأزمة الكهرباء تزداد بؤساً لمستوى لم تشهده حتى تلك الدول التي تشهد حروباً وقد بدأ يحلو للكثير من المواطنين تشبيه القاهرة بغزة في تردي تلك الخدمات. وقد زاد من سخط هؤلاء انهم لم يلمسوا من رئيسهم أي أمل في حل قريب للأزمة فيما ساهم رئيس حكومته ابراهيم محلب في موجة من الغضب العارم حينما صرح وسط الأسبوع بان قطاع الكهرباء في مصر هو الأكفأ على مستوى العالم. ومن قبيل الكوميديا ان جميع المسؤولين من رأس الدولة الى كبار المسؤولين باتوا يعلقون آمالهم على هيئة الأرصاد الجوية على أمل ان تهطل السماء ثلوجاً فوق رؤوس المصريين وعندها يتوقف ثمانية مليون جهاز تكييف عن العمل ومن ثم تنتهي أزمة الكهرباء. وفي محاولة منه لتبديد غضب المصريين قال القيادي المعارض للإخوان المسلمين ممدوح حمزة عبر تغريدة له على «تويتر»: «عند انقطاع الكهرباء استحمل فأنت تشارك في حفر تفريعة قناة السويس الجديدة لان كميات وقود ذهبت لتشغيل معدات الحفر ولا تستخدم مولد توفير الوقود». وفي الأسبوع الماضي ذاته كرر رئيس الوزراء للمرة الثالثة اتهامه للإخوان بالتسبب في قطع التيار من خلال القيام بعمليات إرهابية تستهدف المحطات والأبراج. وانتقد «التحالف الوطني لدعم الشرعية» المؤيد للرئيس المعزول محمد مرسي، استمرار أزمة انقطاع الكهرباء، داعياً لأسبوع احتجاجي جديد قبل ما أسماه ذكرى مرور عام على مظاهرات 30 آب/أغسطس. ومن جانبه قال «تحالف دعم الشرعية» في بيان قبل ان يسدل الأسبوع ستار نهايته «لقد قطعت الكهرباء سطور هذا البيان الذي يكتب وسط معاناة الشعب وآلامه جراء قطع الكهرباء الطبقي» ووجه المشاركون في البيان اتهامهم للنظام باضطهاد الفقراء: «بينما الأباطرة والعصابة الحاكمة يتنعمون في كهرباء بلا انقطاع، تدفع المناطق الفقيرة والمتوسطة وحدها الثمن في لعبة تخفيف الأحمال».
ورفض التحالف، اتهام النظام لعناصره بتخريب محطات الكهرباء، قائلاً: «رغم أنه المسيطر منذ عشرات السنوات على الشركات القابضة، يحاول عبثاً أن يلصق كل فشل له بالثوار في حين يعلن وزيره استمرار الكارثة لثلاث سنوات وذلك في إشارة منه لوزير الكهرباء محمد شاكر». غير ان مذيعة التلفزيون رولا خارسا لم يكن بوسعها ان تصرخ بأعلى صوت عند تناولها للأزمة مؤكدة ان الكهرباء قطعت عن الحي الذي تقيم فيه ثلاث عشرة مرة في يوم واحد والشكوى نفسها هتف بها العديد من المذيعين من بينهم محمود سعد فيما هتف تامر امين المذيع الذي سبق وأعلن عن حبه لنظام مبارك وسيدته الأولى عن انه وبالرغم من الظلام الذي تعيشه مصر إلا انه يحب السيسي ويكره الرئيس المعزول محمد مرسي. من جانبه وفي إطار التصريحات الغريبة وصف اللواء عادل لبيب وزير التنمية المحلية أزمة انقطاع الكهرباء بأنها أزمة أخلاق.
غير ان مادفع المصريين للانتقال من حالة الغضب تلك لحالة الضحك التي تلازم المشاهدين غالباً عندما يتابعون أحد الأعمال التي تنتمي للمسرح التجاري هي تلك النصائح والتحذيرات التي وجهتها الحكومة المصرية للإدارة الأمريكية بتجنب قمع المتظاهرين تعليقاً على المظاهرات التي تشهدها ولاية «ميزوري» الأمريكية مؤخراً من عنف قامت به الشرطة ضد مواطنين غاضبين. فيما قال فهمي هويدي الكاتب الصحافي «لا أعرف كيف كان صدى تصريحات المتحدثين المصريين في واشنطن، لكني لن استغرب إذا قيل لي أن المسؤولين عن الشأن المصري هناك تداولوا التصريحات ضاحكين» وقال أحدهم لزملائه: انظروا من يتحدث؟.. ذلك ان الأقدار شاءت أن تتزامن تصريحات ونصائح المتحدثين المذكورين مع الذكرى الأولى لمذبحة فض اعتصام رابعة، التي أعادت إلى الأذهان شريط الأحداث التي واكبت انطلاق الثورة في مصر، ودور الشرطة فيها بدءا من قتل خالد سعيد وانتهاء بمذبحة الاعتصام وما تلاها ومرورا بإحراق 37 جثة في عربة الشرطة أمام سجن أبوزعبل، وفي كل تلك الأحداث تمت لفلفة الوقائع وطمسها بحيث ظلت الشرطة بريئة من الدماء التي أريقت والأرواح التي أزهقت. وكان غيرهم ــ بمن فيهم الثوار ــ هم المجرمون والقتلة. وأسهمت أطراف عدة في غسل أيدي الشرطة وتبييض صفحتها، من الطب الشرعي إلى النيابة والقضاء والإعلام الموجه، إضافة إلى نخب الموالاة والمنظمات الحقوقية الحكومية.
وقد دخل العديد من رموز السياسة وحتى المؤسسة الدينية على الخط مما يجري وبدا واضحاً ان مصر تريد ان تثأر من أمريكا إثر تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش» التي اتهمت النظام المصري بارتكاب مذابح في فض اعتصام رابعة العدوية، حيث ندد القيادي الصوفي عبد الهادى القصبي رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية بما يحدث من قبل الشرطة الأمريكية لقمع التظاهرات السلمية والتي تعترض على قيام شرطي أمريكي بقتل مواطن أسود.
وطالب القصبي في تصريحات صحافية واشنطن عقب مقتل مواطن أسود بالتعامل بالحكمة مع المواطنين الغاضبين مؤكداً أن الأديان السماوية الثلاثة نصت على احترام حقوق الإنسان وعدم التمييز في الحق والعدل.
ولم يصدق النشطاء أعينهم وهم يقرأون ماورد في بيان وزارة الداخلية المصرية التي قدمت 5 نصائح للشرطة الأمريكية للتعامل مع المتظاهرين، وطالبتها بعدم استخدام القوة المفرطة في التعامل معهم.
وفي مقابل حالة السخرية التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي بعد انتقاد القاهرة لواشنطن بسبب سجلها في حقوق الإنسان سادت حالة من الغضب على التجاهل الرسمي للمذبحة التي شهدها قطاع غزة وأسفرت عن استشهاد ثلاثة من قيادات حركة حماس في الوقت الذي استنفرت فيه الخارجية المصرية قواها من أجل التنديد بمقتل الصحافي الأمريكي.. وبالرغم من ان استشهاد القيادات الثلاثة يمثل إهانة للجهود المصريهة لانه وقع أثناء المفاوضات التي تتم تحت رعاية القاهرة، الا ان مسؤولاً واحداً لم يندد بما جرى كما التزمت الجامعة العربية الصمت وعلى الدرب نفسه مر معظم رموز السياسة مرور الكرام فلم نسمع بتنديد أو شجب هناك وهو ما أصاب الجماهير بخيبة أمل. غير ان المصريين ومع نهاية الأسبوع كانوا على موعد مع المزيد من حوادث العنف المجهولة حيث عثر على خامس جثة مقطوعة الرأس امس مما أسفر عن انتشار حالة الخوف بين المواطنين في شمال سيناء وقد كشفت مصادر أمنية، أن الجثث الخمس المذبوحة التي عثرت عليها أجهزة الأمن تباعاً مفصولة الرأس في عدد من مناطق المحافظة قتلت على يد عناصر تكفيرية وهي لأشخاص ثبت تجسسهم لصالح إسرائيل.
ولا يستبعد مراقبون ان تكون تلك الحوادث رغبة في الإنتقام فيما يشير آخرون الى ان الأمر لا يخرج عن كونه صراعا بين القبائل فيما ذهب عناصر ينتمون لجهات أمنية الى إن التحريات التي أجرتها أجهزة الأمن أثبتت ان القتلى جواسيس لاسرائيل وأشارت تقارير إلى تسلل هؤلاء على مدار الأسابيع الماضية عدة مرات للجانب الإسرائيلي للقاء مسؤولين تابعين للموساد ومدهم بالمعلومات.
حسام عبد البصير