العالم الإسلامي… مرحلة ما بعد التكديس

حجم الخط
0

عندما حلل المفكر الجزائري مالك بن نبي مشكلة الحضارة وعرض لظاهرة التكديس كإحدى أهم الإشكاليات التي تحول دون استعادة المجد الحضاري الضائع؛ كان يهدف بالدرجة الأولى إلى تبصير المسلمين بعيوبهم في مجال البناء الحضاري، وبالتالي يلفتهم إلى الأسباب الخاطئة التي تسير عليها عملية الإصلاح في بلدانهم. لكن هذا الأرشيف الفكري الرائع الذي تركه الرجل لم تستثمره الأمة بعد عقود من غيابه. فبينما استعاضت عنه دول (وكدسته) تماماً لفساد اعتقادها في أهداف المشروع – وهو استعادة الحضارة الإسلامية وهي لا تــــــريد ذلك – تحولت دول أخرى نحو دراسات محلية قومية لا تتجــاوز القطــــر الواحــد، دون اهتمام بالنموذج الحضاري الشامل. وكلا الفريقين اليوم يعاني من فرض الإصلاح على الطريقة الأمـــــريكـــية، ويرغب في تكييف وضعه وفـــــق معادلات أقل ما يقال عنها انها عشوائيــــة. وكما يقولون: في ذروة البلاء يبدو كل شـــيء بحاجة إلى التغيير.عندما يصل كم التكديس إلى مرحلة تصبح فيه الأمة غير قادرة على توجيه الأشياء المكدسة لمجتمع (ديمغرافي) يطالب بحظه دوما من هذه السلعة. وعندما تصل مطالبات المجتمع إلى مرحلة عدم القدرة على تلبية حاجياته الأساسية، في الوقت الذي يستغل فيه آخرون حقاً أو غصباً هذه الكميات المكدسة؛ يتحول آنذاك التكديس من ذات الأشياء إلى أذهان الأشخاص، ويتراكم بالممارسات الاجتماعية إلى رصيد مرغوب. وبعبارة أخرى يتحول المكدس إلى (مقدس) يحدث أي مساس به انتفاضات وأشكال من العنف والصراع والرفض داخل المجتمع الهش.. وهذه هي المرحلة الأولى لما بعد التكديس….المرحلة الأخرى هي مرحلة تأسيس الاستهلاك، ثم تكديس المقدسات والقيم والمبادئ والثقافة والعادات وركمها وتحويلها إلى بضاعة تراثية مادية، تدرس كفكر وثقافة عادية، دون تفاعل معها، ولا إخراج لها إلى دائرة الفعل التطبيقي . وفي أحسن الأحوال تأويلها أو تجزئتها واختزالها، ومحاولة الإضافة إليها من ثقافات أخرى بغرض الدفع و(الانتهاك) لا الاقتران أو الانفتاح. وفي كلتا الحالتين يذهب الأثر والحقيقة وتبقى الرائحة والصورة العامة، وهذه هي المرحلة الأخرى لما بعد التكديس. ولقد كانت مرحلة العنف السياسي وما يسمى الإرهاب في كثير من البلاد العربية (مصر ـ الجزائر ـ السعودية ـ العراق) من طرف الجماعات الإسلامية الراديكالية بمثابة القوة المعنوية الدافعة عند أعداء المشروع الإسلامي (لأرشفة) المقدس، أو تشكيله خارج النسق الذي هو عليه في الواقع.. وإذا كنا نتحدث اليوم عن تكديس المقدسات، فلا محالة سنبحث غدا عن المقدسات ذاتها فلا نجدها؛ لان هناك خللا في بنية العقل الاجتماعي، يشبه ما يعرف في علم الفيزياء بالأكسدة التي تصيب الشبكة البلورية للمعدن الخسيس، تتدرج معه لتقضي عليه بالنهاية.ما بعد التكديس نعيشه اليوم بقوة، وتمتد مفرداته السياسية والثقافية والاجتماعية ـ بلا شك ـ في واقعنا العربي والاسلامي، وما الثورات العربية الناشئة الا نتيجة حتمية لما بعد التكديس السياسي.. ولكن ماذا بعد ما بعد التكديس؟ عمر كنيش ـ جيجل ـ الجزائر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية