العقيد بين الخريف والتخريف

حجم الخط
0

د. فايز رشيد

غرائبية العقيد معمر القذافي لا تصل إلى حد، فمرّة يعيد سبب ما يحصل في ليبيا من ثورة إلى (الحسد نتيجة الإصابة بالعين) لليبيين، كحصيلة لما يعيشونه من(نِعَم) غير متوفرة لأحد غيرهم، ومرّة يحرّض الليبيين على إخوانهم العرب، الذين لا يريدون الخير لليبيا من وجهة نظره، ومرّة يتهم الليبيين بــ(الجرذان، المقملين….) إلى آخر ما في منظومته من كلمات احتقار للشعب، يأنف القلم من كتابتها، وأحياناً يتصور أنه القائد (وليس الرئيس، فقد تخلى عن الرئاسة) المحبوب المُلهم، الذي يحترمه الليبيون، وهكذا دواليك. الثابت في المعادلة الليبية: قصف العقيد لأبناء شعبه بالطيران، وقيام القوات التابعة له (بما فيها من مرتزقة) بالهجوم على مواقع الثوار (الذين يعتبرهم إرهابيين تابعين للقاعدة، وهي التي تصدر الأوامر لهم)، والتسبب بموت المئات من أبناء الشعب، وجرح الآلاف في الحرب الدائرة، التي إذا ما بقيت على نفس السياق، فستتحول إلى حربٍ طاحنة لا تبقي ولا تذر، فقد سبق أن هدد نجل العقيد سيف الإسلام بإشعال الحرب الأهلية. ما يجري ليس حربا بين فئات الشعب الليبي.. هي حرب بين الشعب الليبي بأكمله بمختلف انتماءاته وأطيافه السياسية من جهة، وبين العقيد القذافي وقواته، بما فيها من مرتزقة استجلبهم بالمال من مجاهل افريقيا، من جهة أخرى.

للأسف، ما لم يفهمه العقيد حتى اللحظة، أن غالبية المدن الليبية تؤيد الثوار وتعلن التفافها حول المجلس الوطني الانتقالي (وهو الذي يقود الثوار، وهو بمثابة الحكومة)، هذا المجلس اعترفت به فرنسا، وتبعاً لذلك اتهمها القذافي بالتدخل في شؤون ليبيا الداخلية، المجلس مرشح للاعتراف من قبل دول عديدة. المقصود القول ان غالبية الشعب الليبي تؤيد الثوار، هذا ولو قُدّرَ لأهالي طرابلس وغيرها من المدن التي تحكمها قوات العقيد بالوسائل الأمنية والبوليسية، لو قُدّرَ للأهالي في هذه المناطق أن يقولوا ويعبروا عن آرائهم، لاختاروا الانضمام إلى الثورة.

من ناحية ثانية، وبالسؤال الافتراضي، حتى لو انتصر العقيد وقواته، وهذا من سابع المستحيلات فكيف سيحكم ليبيا بعد أن أغرقها بأنهار من الدم بينه وبين الليبيين؟ ألم يخطر مثل هذا السؤال على ذهن العقيد؟ كيف يستطيع حكم شعب، لا يريده؟ كيف سيبقى في ليبيا؟ ألا يرى ما الذي يجري في المدن والقرى الليبية؟ ألا يسمع الهتافات المطالبة باسقاط نظامه؟

العقيد، بالتالي حُرقت أوراقه على الصعيد الداخلي، ولا تبدو أمامه أية مخارج، فالثوار ماضون في ردّهم على الهجمات التي تقوم بها قواته عليهم، وماضون في حركتهم باتجاه السيطرة على آخر معاقل العقيد وقواته، هذا إلى جانب أن غالبية الممثلين الرسميين الليبيين في المنظمات الدولية والإقليمية والعربية، وغالبية السفراء والدبلوماسيين في كافة دول العالم (أو في غالبيتها كحد أدنى) أعلنوا انضمامهم إلى الثورة. من جانب آخر، فإن أوراق العقيد محروقة على الصعيد الخارجي، ذلك بعد العقوبات التي اتخذها المجتمع الدولي بحق العقيد وأبنائه وأعوانه، وإمكانية اتساع هذه العقوبات لتشمل الحظر الجوي على الطائرات الحربية الليبية، أيضاً، إمكانية توجيه ضربات عسكرية ودولية لقواته (على شاكلة ما جرى في صربيا)، طبعاً فإن هذا ليس عشقاً غربياً للثورة بقَدر ما هو حرص على استمرار تدفق النفط الليبي إلى الغرب، بعد ارتفاع أسعاره بشكل ملحوظ نتيجة ما يجري في ليبيا من ثورة. كل ذلك بالإضافة إلى أن العقيد وكافة أعوانه أصبحوا مطلوبين للانتربول الدولي، والمحكمة الجنائية الدولية بصدد توجيه تهم رسمية إليهم، أي أن سفر هؤلاء سيؤدي إلى اعتقالهم في كافة دول العالم. المقصود القول، انه وإلى جانب فقدان أوراق العقيد على المستوى الداخلي فإنها أصبحت محروقة أيضاً على الصعيد الخارجي. العقيد القذافي محروق ايضا على الصعيد العربي، فبعد تجميد عضوية ليبيا في الجامعة العربية ومؤسساتها، اتخذ مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، قرارا بمطالبة مجلس الأمن بفرض حظر جوي على طائرات العقيد، التي يقصف بها أبناء شعبه ومصافي النفط وآباره، والاخيرة ايضا هي جريمة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، ذلك انها تدمير لثروة الشعب الليبي الأساسية، وهي النفط.

لم يتعظ العقيد مما جرى في تونس وفي مصر من الرئيسين السابقين زين العابدين بن علي وحسني مبارك، على الرغم من أن كلاً منهما لم يصدر أوامره للجيش بالهجوم على الثائرين في بلده. العقيد ومثلما قُلنا تسبب في قتل وجرح المئات من الليبيين، ولا يزال نهر الدماء جارياً في ليبيا. العقيد القذافي دعا للحوار من خلال كلمة لرئيس الوزراء الليبي السابق جاد الله الطلحي، الذي قرأ في التلفزيون الليبي كلمة موجهة لشيوخ القبائل في بنغازي يدعوهم فيها لحوار وطني لوقف إراقة الدماء. غير أن المجلس الوطني الانتقالي وفي رده على هذه الدعوة، أعلن أنه ليس هناك مجال للحوار الموسع مع حكومة الزعيم الليبي، وأن أية محادثات يتوجب أن تكون على أساس تنحي القذافي، بالاضافة الى تلبية بعض الشروط الأخرى من طرفه. المجلس قال ايضا في رده، انه اذا ما تنحى القذافي، فسيضمن المجلس حياته وحياة أبنائه، وهذه فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى للعقيد.

على العقيد معمر القذافي استغلال الفرصة بالاستجابة لدعوة المجلس، وأن يتنحى مكتفياً بما تم هدره من إسالة دماء الليبيين. هو وإن أظهر مثل هذه المبادرة سيضمن المجلس سلامته وأنجاله وأعوانه، وستتخلص ليبيا ويتخلص الليبيون من إمكانية تدمير الوطن، وزيادة معاناة الشعب. نعم لا يدرك العقيد أنه يعيش خريف زعامته لليبيا ولا يدرك أيضا انه مصاب بهوس التخريف.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية