السبب الرئيسي الذي من أجله وافقت إسرائيل على تعويض سوريا عن الحرج الذي سببته لها إعادة جثة زخاريا باومل يتعلق بجهود العثور على المفقودين الآخرين من معركة السلطان يعقوب. الأسيران اللذان أطلق سراحهما بأمر من نتنياهو هما شخصان غير مهمين. المشكلة هي في الاستخفاف الذي يظهره رئيس الحكومة في عملية اتخاذ القرارات، عندما عمل على إطلاق سراحهما دون إبلاغ أعضاء الكابنت ودون مصادقة الحكومة. هذه المرة هناك إشارات لحماس في غزة: الطرفان يعودان إلى مسار إطلاق سراح أسرى على قيد الحياة مقابل إعادة جثث أسرى جنود.
لقد علم جهاز الأمن عن بادرة حسن النية الإسرائيلية التي يجري طبخها لسوريا، التي سيتم قريباً في إطارها إطلاق سراح سجينين من السجن الإسرائيلي. ثمة تفسيران محتملان، إما أن هذه الأمور اتفق عليها بصورة ثنائية بين رئيس الحكومة نتنياهو والرئيس الروسي بوتين خلال لقائهما في موسكو في بداية شهر نيسان (في مكتب نتنياهو ينفون ذلك)، وإما أن بادرة حسن النية ولدت متأخرة بناء على طلب من روسيا بعد أن غضبت سوريا من إخراج جثة باومل من أراضيها بدون موافقتها.
عندما أعلن الجيش الإسرائيلي وبعد ذلك مكتب رئيس الحكومة، في بداية الشهر الحالي، عن العثور على جثة باومل في مخيم اليرموك قرب دمشق، حسب تقارير وسائل الإعلام العربية، وعن نقلها إلى البلاد، اهتم جميع المتحدثون في الجانب الإسرائيلي بالتأكيد على أن الحديث لا يدور عن صفقة «تبادل» مع سوريا. الجثة عثر عليها بناء على معلومات استخبارية إسرائيلية، ونقلها الجيش الروسي من سوريا إلى روسيا ومن هناك إلى إسرائيل. ولكن الاعتقاد أن بوتين لم يطلب آجلاً أم عاجلاً أي مقابل لبادرة حسن النية هذه هو أمر يقترب من السذاجة. فموسكو لا تؤمن بالهدايا المجانية.
قبل أسبوعين سمعوا في جهاز الأمن للمرة الأولى عن الاحتمالية التي يتم فحصها لإطلاق سراح رمزي لسجناء. في بداية الأسبوع الماضي اتخذ قرار بإطلاق سراح أسيرين. بادرة حسن النية هذه كان من المخطط نشرها اليوم. ولكن يبدو أن الروس فضلوا أن يملوا بأنفسهم الجدول الزمني والإعلان تم نشره صباح أمس من قبل مبعوث بوتين في سوريا.
تفسير إسرائيل بخصوص بادرة حسن النية يكمن في الضغط الذي مارسه الرئيس السوري بشار الأسد على بوتين. الجثة أخرجت بصورة سرية من الأراضي السورية، تحت أنف النظام السوري وبدون أي إعلان مسبق. بوتين الذي حاول التغطية على الحرج الذي تسبب للأسد قال في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو في موسكو إن الأمر يتعلق بعملية مشتركة، بمشاركة الجيش السوري. مصادر في دمشق سارعت إلى نفي الخبر، سوريا وضعت في موقف غير مريح لأنها عرضت كمن تسمح لإسرائيل والروس بأن يفعلوا ما يشاؤون على أراضيها. لذلك، طلب إطلاق سراح أسيرين كتعويض متأخر للأسد.
بإطلاق الأسيرين… يحفظ الأسد ماء وجهه وتبادر إسرائيل بـ «حسن النية»!
السجينان شخصان غير مهمين، أحدهما سجين جنائي بسبب صفقة مخدرات وكان سيطلق سراحه قريباً بخفض ثلث المدة هذه السنة. الثاني فلسطيني اعتقل بعد أن دخل إلى إسرائيل وفشل في محاولة شبه ساذجة لتنفيذ عملية ضد موقع للجيش الإسرائيلي في هضبة الجولان. (ضابط في الجيش الإسرائيلي ضربه وسيطر عليه عندما اقتحم الموقع رغم أن المخرب كان مسلحاً ببندقية صيد).
المشكلة التي تثور هنا تتعلق بعملية اختار رئيس الحكومة فيها أن يقوم ببادرة حسن نية. في البداية، وأقل من أسبوع قبل الانتخابات، يعلنون عن العثور على جثة باومل وينفون وجود أي صفقة. بعد ذلك يستخرجون من الصفقة المثيرة المكسب السياسي الأعلى (ويدعون المرشح المنافس، بني غانتس، إلى أن يخجل لأنه تجرأ على إعطاء إشارات بأن التوقيت مشبوه). عندها بعد الفوز في الانتخابات يتفقون سراً مع بوتين على بادرة حسن نية مقابلة لسوريا، هذه المعلومات لا تخرج في صيغة بيان رسمي لمكتب رئيس الحكومة، بل عبر النشر في روسيا.
إضافة إلى ذلك، حتى أعضاء الكابنت لم يتم إبلاغهم عن بادرة حسن النية هذه. وبشكل عام العملية كلها لم تتم حسب الصيغة المحددة في القانون الذي يقتضي مصادقة الحكومة على إطلاق سراح سجناء كبادرة حسن نية سياسية أو حسب اعتبارات ترتبط بالعلاقات الخارجية للدولة. إطلاق سراح السجناء صودق عليه بعملية بديلة وسرية حاكها المستشار القانوني للحكومة من خلال إبلاغ رئيس الدولة.
هذه ليست المرة الأولى التي يستخف فيها نتنياهو بصورة استعراضية بعملية اتخاذ القرارات.
في الشهر الماضي وفي المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية، اعترف رئيس الحكومة بأنه لم يشرك وزير الدفاع ورئيس الأركان ومعظم الجهات الكبيرة في جهاز الأمن في عملية المصادقة التي أعطاها لألمانيا لبيع غواصات متطورة لمصر ـ وبرر ذلك بـ «سر أمني» الذي لم يوضح جوهره حتى الآن.
في الخلفية يجدر ذكر الاتصالات التي تجري حول إعادة المواطنين الإسرائيليين وجثامين الجنديين المحتجزين في القطاع. الحكومة في الحقيقة لم تصادق رسمياً على توصيات لجنة شمغار التي طلبت الفصل بين إطلاق سراح جثث وإطلاق سراح أسرى وطلبت أن تحدد أنه لا يتم إطلاق سراح أسرى مقابل جثث إسرائيليين. ولكن في السنوات الأخيرة اتخذت شخصيات إسرائيلية رفيعة خطاً متصلباً وأوضحت بأنه لا يجب على حماس أن تتوقع تنازلات على صيغة صفقة شليط. الآن رغم أن الحديث يدور عن حجم قليل، إلا أنهم يعودون إلى مسار الأسرى الأحياء مقابل جثث جنود. لا شك أن حماس ستسجل ذلك أمامها.
السبب الرئيسي في أن إسرائيل وافقت على طلب بوتين إلى جانب الحفاظ على العلاقات مع روسيا، يتعلق باستمرار الجهود للعثور على المفقودين الآخرين من معركة السلطان يعقوب، تسفي فيلدمان ويهودا كاتس. الافتراض الأساسي هو أن جثتهما مدفونتان في سوريا ومن أجل الوصول إليهما يقتضي إرادة جيدة من روسيا، وعلى الأقل استعداداً سورياً بعدم التشويش على البحث. على خلفية استمرار الجهود نشرت قبل أسبوعين تقريباً أنباء بأن إسرائيل نفت إعادة رفات رجل الموساد ايلي كوهين. هذا هدف أصعب لتحقيقه، ولكن يبدو أن الأمل بالعثور على جثث الجنديين كاتس وفيلدمان أكثر واقعية.
من السهل جداً فهم لماذا من المهم لموسكو القيام ببادرة حسن نية إسرائيلية كمقابل متأخر لإعادة جثة باومل. إعادة الأسيرين مطلوبة ولكن ليس من أجل تهدئة الأسد، فموسكو تثبت أنها هي العنوان لصفقات أخرى للعثور على مفقودين. ولا يقل أهمية ذلك السياق الأوسع: روسيا تبث إشارات إلى إسرائيل وسوريا بشأن قوة مكانتها الإقليمية. فهي وليس الولايات المتحدة التي أعلنت عن نيتها إخلاء ما بقي من قواتها العسكرية من سوريا، يستطيع التوصل إلى حل متفق عليه للمشاكل المقلقة للطرفين.
عاموس هرئيل
هآرتس 28/4/2019