مرت 18 سنة منذ بدأت «المواسير الطائرة» تتطاير باتجاه سديروت. وتحولت حماس إلى جيش منظم مع قدرات ذات مغزى، تعمل في ضوء أهداف استراتيجية. في المجال الهجومي تعمل على تعظيم قدرة الصواريخ التي تسمح لها بأن تهدد بشل الحياة في إسرائيل، بينما في المجال الدفاعي تتطلع لأن تردع إسرائيل عن مواجهة شاملة خوفاً من الثمن الدموي.
حماس قريبة من تحقيق أهدافها: حرية العمل التي تتخذها ـ من أعمال إخلال بالنظام في منطقة الجدار وحتى إطلاق الصواريخ بين الحين والآخر نحو وسط البلاد ـ تشير إلى ثقة قيادتها بميزان الرعب مع إسرائيل. هذه هي نتيجة سياسة التأجيل الإسرائيلية وموقفها من حماس كمجرد مصدر إزعاج تكتيكي. وسواء كانت هذه صحيحة في حينه أم لا، فإن هذه السياسة يجب أن تتغير.
التصميم ذاته في رسم الخطوط الحمراء في الساحة السورية، التي لا نتجلد فيها تجاه الإيرانيين وفروعهم حتى عن النار بالصدفة نحو هضبة الجولان، يجب أن يجد تعبيره في الجنوب أيضاً. فإصبع حماس الرشيقة على زناد الصواريخ وقدرتها على تشويش الحياة وشل الحركة الجوية يجسد أن هذا يعد تهديداً لا يطاق، يسحق قدرة الردع ويلحق ضرراً استنزافياً متراكماً.
المعضلة مركبة؛ فاحتلال القطاع وطرد حماس ممكنان. سيكون لهذا ثمن، ولكن الجيش الإسرائيلي قوي ويمكن أن يقوم بالمهمة. ومع ذلك، أثبت التاريخ بأن احتلال أرض ما لغرض طرد جهات معادية لم ينشئ أنظمة معتدلة. من جهة أخرى، فإن خيار الاعتراف بشرعية حماس كمحاورة والدخول إلى مفاوضات معها ظل غير مفهوم.
أمامها خياران لدرء قنبلة موقوتة في القطاع: تخليها عن السلاح وإلا الطرد
على القادة السياسيين أن يفكروا بمدى الجدوى والثمن الناشئين، ولكن لا يمكننا أن نتردد بعد اليوم. فمجال المناورة آخذ في الضيق والزمن يعمل في طالحنا. فضلاً عن ذلك، فان سكان غزة، الذي يصل عددهم إلى نحو مليوني نسمة، يلوحون كقنبلة موقوتة. مع نحو 60 في المئة بطالة وفي انعدام الأمل، يفقد الغزيون حتى الخوف من حماس. وحين يقترب صبرهم من النفاد ستكون الفوضى التي من شأنها أن تشعل اضطرابات وانتفاضات شعبية بحجوم غير مسبوقة في يهودا والسامرة أيضاً.
لقد انتهى زمن تأجيل النهاية. مطلوب خطة من مرحلتين في زمن محدد، يشترط قسمها الثاني بنجاح أو فشل المرحلة الأولى. بداية يستوجب اعتراف وحوار مع حماس، بهدف إبطاء الغضب واليأس لدى السكان، من خلال خلق روافع أمل. وسيشترط الأمر بالتجريد العسكري للقطاع وتمدينه. هذه ليست رومانسية «محققي السلام»، بل مصلحة إسرائيلية يجب عرضها بأنها «فرصة أخيرة». يضمن فشل هذه المرحلة الشرعية للمرحلة الثانية، التي سيتطلب الأمر منا فيها العمل عسكرياً وسياسياً على طرد حماس وفرض التجريد على غزة.
إن تشكيلة سياسية ـ أمنية برئاسة نتنياهو المجرب (وكما يبدو، ليبرمان كوزير للدفاع) إلى جانب رئيس الأركان كوخافي، القائد الشجاع الذي يعرف القطاع جيداً، يمكنها أن تقود بنجاح كبير خطة استراتيجية كهذه، ينبغي إدراجها ضمن «صفقة القرن» الأمريكية، بما في ذلك إلقاء المسؤولية عن الإعمار على مصر في المرحلة الأولى، وإذا كان لازما أيضاً بعد احتلال القطاع.
إسرائيل زيف
لواء احتياط، رئيس قسم العمليات وقائد فرقة غزة سابقا
إسرائيل اليوم 28/4/2019