صحف عبريةفي أيلول (سبتمبر) 2000 اندلعت في ارجاء المناطق الانتفاضة الثانية ـ انتفاضة الاقصى. رئيس المعارضة في حينه، ارئيل شارون، حج الى الحرم، شبكة التلفزيون الفرنسية بثت فيلما قصيرا عن موت الطفل الفلسطيني محمد الدرة ـ فاشتعل العالم العربي بأسره، حين خرجت الجماهير الملتهبة الى الشوارع بهتافات الثأر من اسرائيل. لم تنقضِ أسابيع، وفي مصر اضطرت شركة اجنبية الى بيع حصتها (20 في المئة) من مصفاة البترول الجديدة في الاسكندرية، بعد سنة من قيامها باستثمار 1.3 مليار دولار. ذات الشركة الاجنبية كانت مجموعة مرحاف لرجل الاعمال يوسي ميمان. شريكه في الملكية للمصفاة كان الرأسمالي المحلي حسين سالم (70 في المئة) وشركة النفط الوطنية المصرية (10 في المئة). ‘هذا لم يكن الوقت للاحتفاظ بملك كهذا في مصر’، شرح ميمان في مقابلة منحها لـ ‘ذي ماركر’ قبل ثلاث سنوات، وفضل هذه الصيغة المبطنة لوصف المرة الاولى التي احبطت فيها الاجواء السياسية في مصر خطواته التجارية. بعد وقت قصير من ذلك كان ميمان وسالم يشاركان في تأسيس شركة جديدة في القاهرة هي شركة توريد الغاز الطبيعي EMG . 1. القواعد المصرية مختلفةالـ EMG)Easterm Mediterranian Gaz & Oil) تلقت من السلطات المصرية تفويضا بتصدير الغاز الطبيعي المصري الى دول شرقي حوض البحر المتوسط، والذي اسند، في 2005 بتعهد مصري تجاه اسرائيل بتوريد 7 مليارات متر مكعب (BCM) من الغاز الطبيعي في السنة على مدى 20 سنة (مع خيار مضاعفة فترة الارتباط). بتعبير آخر، فان EMG تشتري الغاز الطبيعي من مصر، تبيعه في اسرائيل وتقتطع عمولة وساطة. غير أنه من أجل المبادرة الى مشروع دولي في الشرق الاوسط (بل وبين دولتين تديران سلاما باردا) والاستثمار فيه نحو نصف مليار دولار وصيانته على مدى عشرين سنة امتياز على الاقل تشذ قصة الـ EMG عن الحدود المعروفة للوساطة التجارية.
الـ EMG ولدت في مكاتب مجموعة مرحاف التغامرية، في حضن رؤيا شمعون بيريس حول ‘الشرق الاوسط الجديد’ بعد أن اقتطف ميمان مساعده السابق، د. نمرود نوفيك منه كي يترجم رؤيا السلام الاقليمي الى أعمال تجارية. ومن خلال علاقات نوفيك السياسية المتفرعة في الولايات المتحدة وفي مصر، رفعت في حينه مجموعة مرحاف الى الحكم المصري خمسة اقتراحات لمشاريع كبرى في مجال الطاقة. وضمن الاقتراحات كان مشروع اقامة انبوب ينقل الغاز الطبيعي من المرابض الغنية لمصر الى السوق الاسرائيلية، وكذا اقامة مصفاة للنفط. المصريون فضلوا بداية المصفاة ـ وهي مشروع أقل بروزا من الانبوب الذي يربط بين الدولتين. وفي وقت لاحق اعطوا اشارة ضوء اخضر لمشروع الغاز الذي حظي بعد ‘نبش’ هادىء باسناد الادارة الامريكية ايضا. المنطق الذي قبع خلف المشروع كان بسيطا: اسرائيل تحصل على غاز طبيعي وتحظى بتنوع للمصادر وبملجأ هروب من السوق الاحتكارية، فيما تتمتع مصر بالمشاريع الاستثمارية وتحظى بعطف الكونغرس الامريكي. وشرح ميمان بانه ‘في الشرق الاوسط، القرارات الاقتصادية ترتبط بالسياسة، والمنطق الاقتصادي لن يكفي وحده ابدا’. غير أنه من أجل ربط العالم الاقتصادي بالسياسي مطلوب في هذه المعادلة قوة اخرى، وسيطة، تخلط مصلحة العالمين في منتج ربحي دائم. هنا، يدخل الى الصورة ميمان، الذي من يخته الخاص هاتف في 2003 رئيس الوزراء في مصر في حينه كي يسهل مشروع الغاز العالق. على الطرف الاخر من خط الهاتف كان سالم، ‘ملك تحلية المياه’، ‘امير الفنادق’، الرأسمالي ورجل عظيم القوة الذي عرف بقربه من قيادة الحكم المصري، ولا سيما الرئيس حسني مبارك، ويده اليمنى عمر سليمان. ‘اذا كنت مستثمرا في دول نامية عليك أن تضيف الانضباطية الكلاسيكية الى مستويين آخرين على الاقل: فهم الثقافة التجارية المحلية والقدرة على الهبوط في النقاط الشاغرة في الشقين اللذين يربطان مستوى اصحاب القرار بمستوى المنفذين’، هكذا اعترف نوفيك قبل نحو سنتين واضاف قائلا: ‘حبذا لو توصلت الدولتان الى اتفاق اقتصادي دون أن يمارس حسين سالم نفوذه هناك ونحن هنا. ولكن هذا هو سبيل العالم. في الولايات المتحدة ايضا يفهمون أنه بدون ضغط العالم التجاري، فان قسما هاما من الفرص التجارية لا يتحقق، ولان هذه هي مصلحة الاقتصاد الوطني، فقد تقررت قواعد دقيقة لكيفية عمل ذلك دون أن يصبح هذا فسادا’. غير أنه في مصر لن تتقرر على ما يبدو قواعد دقيقة مشابهة. فقد أفادت صحيفة كويتية هذا الاسبوع بان نجلي مبارك، جمال وعلاء، اجترفا مئات ملايين الدولارات من صفقة الغاز التي وقعت بين الـ EMG وبين شركاء الكهرباء الاسرائيلية، بعد أن تلقيا من سالم عمولة بمبلغ 7.5 في المئة من حجم الصفقة. من الصعب أن نرى كيف دفع سالم المال الكثير جدا من جيبه على مشروع استثماري كبير بدأ يبيع الغاز قبل سنتين فقط ولم يحقق الارباح لاصحابه بعد. ولكن احد الاجوبة على هذا التساؤل لعله قدمه تشلرم يومرونغ، المعارض في البرلمان التايلندي، الذي اتهم في الاسبوع الماضي بان كبرى شركات الطاقة الحكومية PTT، التي اشترت قبل ثلاث سنوات 25 في المئة من اسهم سالم في المشروع، فعلت ذلك بواسطة شركة وهمية افادت بشراء بمبلغ 13.25 دولار للسهم مقابل تقرير PTT الذي كان 14.76 دولار للسهم وهكذا حققت لصندوقها الخفي 83 مليون دولار. يحتمل أن يكون من السذاجة الاعتقاد بان مشروعا كثير المخاطر مثل نصب انبوب غاز تحت بحري على طول 100 كم بين العريش وعسقلان سيحظى بدعم حكومي مصري دون ان يشرك ايضا رجال الحكم الفردي في مصر. من جهة اخرى لعله سيكون من التسرع المزايدة الاخلاقية على مصر عند النظر الى افعال شركات صناعة السلاح الاسرائيلية في آسيا مثلا. وذلك بالمناسبة عندما يشتبه ايضا في اسرائيل بوزير بنى تحتية سابق (افيغدور ليبرمان) بتلقي الرشوة من أحد اصحاب حقل الغاز الطبيعي امام غزة (مارتين شلاف). ولكن سواء كان الحديث يدور عن طرف الجبل الجليدي للفساد السلطوي بحجوم كبيرة او في قصص خيالية عديمة الاساس، كان ربط مشروع الغاز لـ EMG بالنظام المصري في صالح مبارك طالما كان يمسك بخيوط الحكم. هذه العلاقات الوثيقة التي ولدت المشروع، اصبحت عبئا ما إن اسقط النظام في ثورة شعبية مفعمة بالغضب والاحباط. في مقابلة مع صحيفة ‘المصري اليوم’، قال قبل اسبوعين رئيس EMG محمد طوايلة ان سالم (الذي فر حاليا الى اوروبا) ليس من أصحاب اسهم EMG لانه سبق ان باع قبل سنوات رصيده من الاسهم في المشروع (28 في المئة). فمن عصر كانت فيه مظلة مبارك تمنح الرعاية، الحصانة وفتح الابواب، انتقلت مصر الى عصر اسم الحاكم المطاح به اصبح عبئا ومن يرتبط به يبحث عن كل سبيل للانقطاع عنه. 2. منع رئيس EMG الخروج من مصر’لست ساذجا، ليس عندي ايمان برؤيا وهمية للسلام والاخوة ولكني اؤمن بان شراكة كهذه في المصالح تضمن الهدوء’ هكذا اجاب ميمان على التشكيك بقدرة المشروع على العيش على مدى السنين. ‘البطل الحقيقي في العلاقات بين اسرائيل ومصر هو برأيي دوبيك لاوتمن، الذي نقل مصانع النسيج الى هناك، وينتج في مصر الاف أماكن العمل. تصدير النسيج والغاز من مصر بـ 2 مليار دولار في السنة يجعل الحفاظ على العلاقات بيننا أمرا ذا صلة’، اضاف. ولكن ماذا يحصل عندما توقف ‘دلتا’ لاوتمن هي الاخرى مؤخرا الانتاج المصري في اعقاب الثورة؟
اذا اختلطت السياسة بشكل مباشر في كل محاولة للدفع الى الامام بالمبادرات الاقتصادية في مصر، فسيكون مشكوكا فيه ان يكون ممكنا تجاهل آثار التقلبات فيها اليوم. فالجمهور المصري منشغل البال اليوم في مطاردة مبارك وارثه، مندوبوه المؤقتون في الحكم يبحثون تحت كل حجر عن كل دليل لفساد مقربيه وصفقات الغاز الطبيعي التي عقدها الحكم المصري في العقد الاخير تشكل هدفا شبه كامل بالنسبة لهم. اول المحاصرين كان سامح فهمي (61)، مهندس كيماوي في تعليمه، شخصية اساسية في مشروع الغاز، شغل منصب وزير النفط المصري منذ 1999. في نهاية الاسبوع علم في مصر انه استدعي الى التحقيق بدعوى أنه سمح ببيع الغاز الطبيعي باسعار زهيدة لاسرائيل ولستّ دول اوروبية اخرى، فألحق بذلك بمصر خسارة 3 مليارات جنيه مصري (اكثر من نصف مليار دولار). واشار التقرير الى أن فهمي ادعى مدافعا عن نفسه بانه نفذ تعليمات الرئيس المصري المطاح به، مبارك. وحل محل فهمي في الحكومة المؤقتة التي اقامها في مصر احمد شفيق في 23 شباط (فبراير) مقرب فهمي، محمد لطيف (عامر)، وقد عين لطيف قبل نحو عقد من قبل فهمي كنائب لرئيس شركة النفط الوطنية المصرية (EGPC)، ومع مرور السنين عين رئيسا لـ EGAZ التي تملك كما يذكر 10 في المئة من اسهم EMG. تعيين لطيف أدى الى تنفس الصعداء في اسرائيل، لقربه من مشروع الغاز وحقيقة أن العام الماضي فقط كان لطيف هو الذي عرض امام زبائن EMG في اسرائيل خطط توريد الغاز للسنوات القادمة. ولكن لطيف لم يتمكن حتى من تسخين كرسيه. فبعد مرور اسبوع اضطر الى الاستقالة من منصبه مع باقي رفاقه في الحكومة تحت ضغط المعارضة والرأي العام في مصر. الى جانب لطيف، استهدف في مصر تعيين قديم آخر سجل في الماضي على اسم فهمي ـ محمد طوايلة. في بداية ولايته عين فهمي طوايلة رئيسا لـ EGPC بعد أن عمل في الماضي ايضا كمدير عام EGAZ. ولاحقا، استقال طوايلة من الخدمة العامة وهبط لرئاسة EMG ، حيث اصبح الشخصية المهنية الاكبر والاكثر سيطرة في الشركة. قبل اسبوعين، قيل في مصر ان طوايلة استقال من منصبه مما يعد ضربة شديدة لـ EMG. وذلك لان طوايلة يعتبر رجل الاتصال مع المحافل المهنية في فرع الطاقة في مصر و ‘الاب المهني’ لكبار مسؤولي EGAZ . وقد تبين التقرير في النهاية مغلوطا، ولكن في الايام الاخيرة نشر انه صدر بحق طوايلة أمر بمنع الخروج من مصر. ‘مشروع مليار دولار، دون تجربة مسبقة، في دولة يوجد فيها احتكار حكومي للمصافي يقيمه اجانب، واعوذ بالله صهاينة، وعلى رأسهم من يعتبر حسب المنشورات الاجنبية من مسؤولي الاستخبارات الاسرائيلية. في المداولات الداخلية التي ادرناها في مرحاف كانت هناك نظرية تقول اننا صعدنا الى الساحة مع خمس مخالفات حتى قبل ان تبدأ المباراة’، قال نوفيك مبتسما قبل سنتين. ولكن EMG لا تشكل موضعا خصبا للتحقيقات المغطاة اعلاميا فقط لان الزبون صهيوني مكروه او الشركة الوسيطة ربع اصحابها اسرائيليون. مشاعر القلق حول مشروع الغاز المصري الاسرائيلي بدأت قبل ثلاث سنوات، كلما اقترب موعد بداية تدفق الغاز المصري الى اسرائيل. في البداية كانت هذه مسألة السعر الذي تعهدت مصر ببيع الغاز لـ EMG للاقتصاد الاسرائيلي ابتداء من ايار (مايو) 2008. هذا السعر تقرر مع تأسيس EMG في عام 2000 ولم يعدل منذئذ. على اساسه حظيت EMG بالعطاء التاريخي الذي نشرته في تلك السنة شركة الكهرباء. ولكن، كلما اقترب موعد التدفق، انطلقت في مصر ‘اصوات معارضة’ اشتكت من ثمن الغاز السخيف المزعوم الذي تقرر لاسرائيل وتطالب بوقف المشروع. وفي نهاية بضعة اشهر من المفاوضات ضاعفت مصر سعر الغاز الذي باعته الى EMG. من جهتها أبلغت EMG زبائنها في اسرائيل بانها ستضطر الى فتح العقود معهم ونقل الغلاء اليهم ايضا. بعد سنة من المفاوضات اضطرت شركة الكهرباء ايضا الى التراجع، وفتح العقد مع EMG والموافقة على رفع سعره بـ 46 في المئة. فتح العقود بهدف رفع سعر الغاز المصري المصدر كان ايضا من نصيب فرنسا واسبانيا مثلا، ولكن في خلفية مسألة التسعير الناقص هذه، وقفت مصر امام مشكلة أكثر جذرية: تلك التي ادت الى تعطل متواتر لتوريد الغاز في الانبوب الى اسرائيل. صحيح أن مصر بوركت بمخزونات من الغاز الطبيعي، ولكنها سارعت في السنوات الاخيرة الى الارتباط بدول اجنبية بعقود بعيدة المدى لتصدير هذا الغاز. بالتوازي، فاجأ الاقتصاد المصري بنمو عال ترافق وارتفاع حاد في استهلاك الغاز المحلي. وهكذا، فان حجوم الانتاج، البنى التحتية للنقل وانابيب التوزيع لم تكن جاهزة لمثل هذا الاستهلاك الداخلي، وسرعان ما التقى الطلب بالنقص المصطنع، وذلك بالذات في فترة الاستهلاك الذروة لشهر رمضان، مثلا، والذي في اثنائه اضطرت مصر الى تقليص كميات الغاز للتصدير في صالح ضمان توريد اساس لسكانها. الغضب الجماهيري اشعل الانتقاد القائم على أي حال تجاه اليد المصرية الرشيقة التي وقعت على عقود التصدير. معظم النار تعرض لها على أي حال عقد تسويق الغاز المصري لاسرائيل واولئك الذين شاركوا فيه.
هآرتس 11/3/2011