أطلقوا سراح القدس!

حجم الخط
0

أطلقوا سراح القدس!

محمد غرافيأطلقوا سراح القدس!طرقت باب مكتبي هذا الصباح ألكسيا وهي في حالة غير معتادة. كانت مرتبكة وغاضبة.ألكسيا طالبة فرنسية تقرأ شعر محمود درويش والمتنبي ورسائل الجاحظ وابن المقفع. جاءتني هذا الصباح تقول: سيدي لقد صادروا القدس العربي . نظرت إليها باستغراب وكدت أقول: منذ أكثر من نصف قرن. لولا أنها أضافت: أقصد الجريدة، جريدة القدس العربي . أردت أن أطالعها علي شبكة الإنترنت بالكلية وتعذر عليّ الأمر. يبدو أنها ممنوعة.ذهبت بنفسي توا إلي مكتبة الكلية. كتبت بالحروف اللاتينية اسم الجريدة علي الحاسوب ارتسمت علي الشاشة في رمشة عين قدس كثيرة، بما فيها تلك المغتصبة منذ أكثر من ربع قرن. نقرت علي عنوان صحيفة القدس العربي .. وجاءني هذا الجواب السريع. الجواب الذي لا يخطر أبدا علي بال. الجواب المفزع المقلق المستفز: الوثيقة التي تطلبون مسجلة ضمن الصنف التالي: إرهاب، عنف، عنصرية… الصنف الذي تطلبون ممنوع. أحسست ببعض الدوران في الرأس. ركزت نظري أكثر علي شاشة الحاسوب. أعدت قراءة هذا الخطاب المستفز وقلت سرا أو جهرا (لا أذكر): ما يمكنش. عل بهذا الحاسوب عطبا. جربت ثانية. جاءني نفس الجواب. ولكي أتيقن أكثر طلبت أسماء صحف عربية أخري تصدر في الوطن العربي أو خارجه. وجاءتني علي الشاشة كلها ما عدا القدس العربي . تسمرت مكاني أكثر. توترت أعصابي بشدة. حاولت أن أجد تفسيرا للأمر. عل بن لادن صار مديرا مكان عبد الباري عطوان. عل بريطانيا أغلقت هذا الصباح مكتب الجريدة في لندن. عل سنجاب سعدي يوسف فجر نفسه في محطة الباص.. وفكرت في كل هذه الأقلام التي تكتب بالصحيفة من كل أقطار الجغرافيا العربية أو من المهجر. الشيوعية منها والقومية وغير ذي توجه سياسي علي الإطلاق. فكرت أيضا بشعراء وكتّاب غير عرب وجدوا حيزا لنصوصهم المترجمة علي صفحات هذا المنبر: بورخيس، غواتيسيلو، رامبو، جون جونيه، دريدا وآخرين. هذا يعني أنها أقلام إرهابية. قلت إذن ما أنا فاعل بالنصوص التي أقتطفها بين الحين والآخر من الصحيفة اللندنية للاشتغال عليها مع الطلبة؟ فكل كاتب بالصحيفة صار إرهابيا وكل قارئ لها أيضا. أشكل عليّ الأمر كثيرا وأنا أنظر في هذين السطرين المكتوبين علي الشاشة بخط أسود عريض. لأول مرة يستفزني الأسود في الحاسوب. لأول مرة تضيق بي خزانة كلية بفرنسا رغم اتساعها. الكتب المرتبة بدقة حولي في الأجنحة بدت لي في هذه اللحظة مجرد كومة من الأوراق. الطلبة الغارقون من حولي في كتب وهم مزهوون لا شك بمكاسب الثورة الفرنسية وايار (مايو) 68 أثاروا في نفسي الشفقة. هل يدركون أن المكاسب تلك أصبحت الآن في خطر؟ فكرت في حرية التعبير التي طبل لها مثقفون فرنسيون وعرب مؤخرا للدفاع عن فيلسوف فرنسي جديد خرج من معطف السب والشتم في الإسلام وقلت طز علي ديمقراطية تتحكم فيها لوبيات معادية للعرب. وإلا كيف يمكن أن نفسر حرمان طلبة جامعة فرنسية من قراءة صحيفة لا ذنب لها سوي أنها ضد أكبر إرهابي يعرفه التاريخ: جورج بوش؟لست أدري وسط هذا الغضب المتأجج في صدري كيف وجدت نفسي رأسا لرأس أمام الموظفة الساهرة علي هذه القاعة في المكتبة ذلك اليوم. قلت لها إني أكاد أجن، بالله عليك أجيبيني كيف يحرم طالب علم في هذا الفضاء الواسع الجميل من قراءة صحيفة عربية علي الانترنت. أجابت بلهجة لا تخلو من أدب واعتذار أنها ليست مسؤولة عن ذلك ومدتني بعنوان الشخص المسؤول عن الإعلاميات في الجامعة. كتبت له في الصباح ذاته مستفسرا فأجاب هو الآخر بأن المسؤول عن ذلك هو في الحقيقة الشركة التي وضعت برنامج انتقاء المواقع الإلكترونية. ولكنه وعدني بالتدخل لترخيص موقع القدس العربي قريبا. لا أشك في جواب المسؤول ذاك. فهو بحكم جهله للعربية كما أكد لي، لا يستطيع أن يصادر صحيفة عربية علي الانترنت في جامعة يعود فيها تدريس العربية إلي ثلاثة عقود تقريبا. ولكني بالقدر نفسه لا أشك ولو للحظة واحدة أن الشركة التي وضعت برنامج الانتقاء ذاك تفكر هي أيضا بمنطق الإرهابي بوش وتشتغل لمصلحته وتفكر وفق منطق صراع الحضارات ومحوري الخير والشر ونهب خيرات الآخرين. منذ شهور قريبة تحدثت وسائل الإعلام الفرنسية بلهجة الاستنكار كثيرا عن محرك البحث الإلكتروني المشهور غوغل الذي حصل علي ترخيص في الصين مقابل حذف كل المواقع التي لا ترضي الحكومة الصينية. هل تدرك هذه الوسائل أن ما يحدث في عقر دارها أفظع؟ وأن عليها بين الفينة والأخري أن تعمل بالمثل السائر شرقا وغربا شطب أمام دارك أولا ؟شاعر من المغرب مقيم بفرنساQMR0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية