مهرجان فرانكفوني علي أرض مصر: أفلام مجانية تبحث عن مشاهدين.. السينما العربية تواجه الجليد الأوروبي
مهرجان فرانكفوني علي أرض مصر: أفلام مجانية تبحث عن مشاهدين.. السينما العربية تواجه الجليد الأوروبيالقاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: 22 فيلما زخرت بها فعاليات الدورة الأخيرة من كارافان السينما العربية ـ الأوروبية والتي استمرت أسبوعا كاملا تشابكت خلاله الأحلام بالأوهام فصارت السينما عنوانا عريضـــا لمجتـــمع اتسعت رقعته باتساع الكرة الأرضية، حيث يموج الواقع بالحب والرومانسية والأخطــــــار والمد والجزر ويتأرجح الفعل السياسي بين القوة والضعف والفوضي والاستقرار.علي قدر هذا التباين في الحياة والأحداث كان التباين السينمائي بالأفلام المختارة مؤثرا طبيعيا في تنشيط الذهن والوعي ووقوف العقل علي حقائق الأشياء، فقد رصدت الأفلام قدرا وفيرا من مجريات الحياة حولنا، ولعلنا نخص في البداية الفيلم الإيطالي النمر والجليد للمخرج روبرتو بنيني باعتباره الأحدث انتاجا بين الأفــلام المشاركة من ناحية والأكثر تلامسا مع الحرب الدائرة في العراق من ناحية أخري باعتبارها النموذج الصارخ للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط، فالفيلم يدين الحرب في ظاهره وينحاز للسلام، فيما ينطوي مضمونه الحقيقي علي عداء مطلق للرئيس صدام حسين ويحمله المسؤولية كاملة دون أن يقترب مجرد الاقتراب من بوش باللفظ أو الإشارة غير أن المعالجة الدرامية اتسمت بالسطحية، ولم ترصد أسباب التداعي الذي أدي إلي كل هذا الدمار وألحق بالعراق النكبات المتوالية!ولم يكن النمر والجليد استثناء في ثقافة السينما الأوروبية وإنما نقطة ارتكاز محورية لدائرة واسعة تضمنت أكثر من فيلم بهذه الكيفية مع اختلاف الجنسية واللغة والقضايا المطروحة، وربما تجدر الإشارة في هذا المضمار إلي شروط الانتاج المشترك التي اضطرت بعض المخرجين العرب والمصريين إلي القبول بمبدأ جلد الذات تحت غطاء الليبرالية والديمقراطية وهو ما بدا واضحا في أفلام مثل بلاد رقم 1 للمخرج رابح عامر زيماشن انتاج جزائري ـ فرنسي مشترك 2006 وفيلم دارفور للمخرجة تغريد السنهوري ـ انتاج بريطاني ـ سوداني وآخر فيلم للمخرج التونسي نوري بوزيد والفيلمين المصريين التسجيليين جُزر لمحمد صلاح، منهم فيهم لماجي مرجان، حيث لا فرق تقريبا بين الهويات السياسية لكل منها، فالفيلم الذي لا يتحدث عن الإرهاب الديني يدين العمليات الاستشهادية في العراق وفلسطين أو يتهم المجتمعات الشرقية بالتخلف والفقر ويلقي بظلال اللوم علي الحكومات كما في فيلم دارفور و آخر فيلم أو أنه يشير الي حالة الاغتراب التي يعيشها المثقف العربي في بلاده نظرا لسفره فترة طويلة ومكوثه بين شعوب أرقي بالدول الأوروبية بما يشبه المفاضلة والتحيز لنمط الحياة الغربية كتلك الرسالة التي يؤكدها فيلم بلاد رقم 1 باعتبار أن بقية البلاد تحتل مواقع متأخرة في الترتيب العددي وهي عنصرية لا يتحرج منها أصحابها ولا يعتبرونها تجاوزا ضد البلاد والشعوب الأخري.ومثل ذلك التفتيش العشوائي الذي تمارسه القوي الغربية في العقول العربية من العراق إلي السودان تجري نفس العمليات علي مصر فنري صورا كاريكاتورية لإضطهاد المرأة وتعذيبها وانتهاك آدميتها وضربها بالحذاء علي رأسها، تجاورها صور أخري لشباب مهووس فاقد الأهلية والوعي ونماذج من خريجي الجامعات يعملون في دورات المياه، كأن مصر قد خلت من طاقاتها وكوادرها وباتت خاوية علي عروشها تنتظر قدوم الأمريكان ليخلصوها من سوادها الحالك، هذا الابتسار للحقائق هو ما ورد ويرد في معظم الأفلام التي يتولي الاتحاد الأوروبي تمويلها عبر مؤسساته الانتاجية بالقاهرة والتي تحظي بأرقام فلكية من الدعم المعلن نظير ما تقوم به من أنشطة فنية. الكارافان الأوروبي ـ العربي عرض أيضا في سياق فعالياته مجموعة من الأفلام السورية المهمة من بينها الليل للمخرج الكبير محمد ملص، رسائل شفهية لعبدالحميد عبداللطيف وتراب الغرباء لسمير زكري، الكومبارس لنبيل مالح، نجوم النهار لأسامة محمد، وعلي الرغم من أن انتاجها لم يكن حديثا، وأسبقية عرضها في مهرجانات دولية خارج مصر، إلا أن وعيها كان ايجابيا وصداها أحدث نوعا من التوازن حال دون رفض الجمهور للأفلام الأخري وعزوفه عنها فقد اعتبر البعض أن ما ورد من أفكار غربية لا يعدو كونه وجهة نظر تخص أصحابها فقط ولا يمكن أن ترقي إلي ما هو أعلي من هذا المستوي، فهي علي أكثر تقدير ليست إلا أفلاما للاستهلاك المحلي وموردا تجاريا غنياً يمكن الاستفادة منه بالأسواق ودور العرض الأوروبية أو بعض الدور الأخري بالدول التي تربطها شراكة اقتصادية بأوروبا دون ان تكون هناك حاجة لحوار الثقافات المزعوم.اللعبة التي تؤديها مؤسسات الترويج السينمائي لا يمكن أن تؤتي ثمارا طيبة لوجود ارتباط شرطي في وعي الجمهور بين قبول المصنف الفني والاستقلال السياسي وهذا الشرط غير متوافر من وجهة نظر الأغلبية التي تري في احتلال الأراضي العربية نقصاً من سيادة القرار العربي وبالتالي فإن كل منتج أجنبي يفرض علي الأسواق هو إضافة اقتصادية للمحتل لذا يأتي اختيار المقاطعة شعورا تلقائيا كرد فعل طبيعي لإحساس الجمهور بمردوده السلبي علي الدول التي تقف علي الجانب الآخر من ثقافتنا وتدعم قرارات الحرب ضد الدول الشقيقة.ربما لا يكون ذلك التفكير مرتبا علي هذا النحو في العقل الجمعي لجمهور السينما وإنما بالقطع هو الإحساس النابع من الوجدان الذي يستشعر الخطر كلما ذُكرت كلمة سينما ممولة.2