الفيلم، كما الكتاب الذي قام عليه، يدمج سِيَرا ومسائل كثيرة في سياقه الواحد. هناك أولا بطلا الفيلم اللذان تتقدم سيرتهما معا، كخطين متوازيين، ولكل منهما حكايته أو مسألته. الأول هو جايمس موراي الذي، من دون أي إعداد دراسي أو أكاديمي، يسعى إلى البدء بتأليف قاموس للغة الإنكليزية؛ الثاني، وليم ماينير طبيب كان تطوع في الجيش الأمريكي كجراح أجبر مرة على أن يسم وجه أحد الجنود الفارين بالنار، وهو ما جعله يشعر بأنه مطارد على الدوام من الرجل ذاك.
الفيلم يبدأ بمطاردة في أحد شوارع لندن، تنتهي بأن يردي الطبيب بالخطأ رجلا بريئا، ظنه الرجل الذي وسمه، ويحاكم بأن يقضي بقية حياته في محبس للمجرمين المجانين.
المسألة الأخرى هي تلك التي يلتقي على إنجازها الرجلان: الشروع بتأليف قاموس للغة الإنكليزية، ذاك الذي عرف عند انتهاء الجزء الأول منه بـ»أوكسفورد إنكليش ديكشيناري». ذلك المشروع هو من الضخامة، بحيث أن الجامعة (أوكسفورد) كانت قد عجزت عن المباشرة به، على الرغم من تكليفها مئة أكاديمي القيام بالمهمة، لكن أول الرجلين، أو البطلين، موراي، تقدم إلى المسؤولين في الجامعة طارحا نفسه كبديل عن المكلَّفين السابقين. لم يحصّل شهادات لكنه ملمّ بلغات أوروبية عديدة، كما بلغات قديمة بينها اللاتينية والسريانية والعربية والعبرية… إلخ. أما الفترة التي يقترحها لإنجاز القاموس، بالمشاركة مع زملاء سيختارهم بنفسه لتحقيق بدايتها، مجرد البداية، فلن تكون أقل من قرن (وكان هذا التقدير قريبا من الحقيقة إذ أن القاموس أتم إنجازه بعد سبعين سنة من ذلك).
في الفيلم، كما في الكتاب الذي كان بين الأكثر مبيعا عندما أصدره سايمون ونشستر في 1993، أي بعد نحو 136 سنة من البدء بذاك المشروع، يصف موراي مهمته بأنها ستعيد جميع البريطانيين، كما سائر الناطقين بالإنكليزية، إلى الكنف العظيم للغة التي تجمعهم في هوية واحدة. يقول ونشستر في الكتاب إن تلك اللغة، «حتى زمن شكسبير، لم تكن قد تحدّدت أو تعرّفت. كانت موجودة بالطبيعة، مثل الهواء، فضاءً يظلل البريطانيين ويجمعهم، لكن لا أحد يعلم ما هي بالضبط، وما هي مكوناتها».
هو القاموس الجامع الأول إذن. فالقواميس التي سبقته، والتي لم يحتو أفضلها إلا على كلمات مختارة وغير مبوبة بحسب الترتيب الألفبائي. وكان يعرف موراي أن مشروعه يكاد يقارب تحديد ماهية أن يكون المرء بريطانيا، ويعرف على أي أسس هو كذلك. في شهور عمله الأولى، بدأ يشعر بأن ذلك الذي تصدى له محال تنفيذه. وهو طلب من كل مَن لديه شيء يقوله في هذا الصدد، أن يتقدم به. وهنا، في الرواية كما في الفيلم، يلتقي الخطان (الرجلان) بعد أن أنجز الطبيب المجنون عشرة آلاف مدخل للقاموس أرسلها إلى موراي من محبسه.
توازي السيرة الشخصية لرفيقه جايمس موراي سيرة ماينير في عمقها وتعقدها. فالبروفيسور، بحسب عنوان الفيلم، لم يتعدّ كونه رجلا عصاميا تمكّن، بفضل مثابرته، من أن يكون بطلا وطنيا في بلده.
ولهذا الطبيب حكايته الخاصة: عائلة الرجل البريء الذي قتله، والتي أوقعها رحيله في الفقر والجوع. شعوره بالذنب حيال تلك العائلة دفعه إلى أن يطلب من سجانه الطيب أن يحمل إلى زوجة القتيل الجزء الأكبر من تعويضات خدمته في الجيش، تكفيرا عما فعله بالخطأ. لكن الزوجة رفضت، مرة بعد مرة إلى أن قبلت، بطلب من السجان الطيب ذاك، أن تزور الطبيب حيث هو في المحبس، وإذ أدت نلك اللقاءات بينهما إلى أن يتعلّق أحدهما بالآخر في قصة حب مؤلم يمتزج فيها الذنب بالإشفاق بالتضحية غير المحدودة، وكذلك بالجنون الذي أدى بالطبيب إلى أن يصل به مرضه إلى التخشب التام، يبدو الفيلم جانحا إلى أن يكون سيرة تراجيدية لوليم ماينير، الطبيب المجنون.
لا توازي السيرة الشخصية لرفيقه جايمس موراي سيرة ماينير في عمقها وتعقدها. فالبروفيسور، بحسب عنوان الفيلم، لم يتعدّ كونه رجلا عصاميا تمكّن، بفضل مثابرته، من أن يكون بطلا وطنيا في بلده، سيرته خالية من أي عقبات أو أزمات شخصية، كما أن عائلته التي كان عليها ان تتحمل تفرّغه التام إلى ذاك العمل، حظيت بالعائد الذي تأتّى عن إنجازه. البروفيسور شخصية إيجابية، بما يجعل بطولته ثانوية رغم أهميتها. الفيلم، ثم الرواية، تُركا للطبيب الذي بلغ التكفيرعن الذنب حدّ إخصاء نفسه بطريقة ممعنة في دمويتها، وإلى ذهابه، كأن طوعا، إلى الغياب التام عن العالم حوله. روايات كثيرة وبشر كثيرون في فيلم «البروفيسور والمجنون» الذي يمزج بين المأساة العميقة والتمسك بالوقائع التاريخية حول موضوع يتميّز، لغير عارفه والمهتم به، بقلة تشويقه. كان على المخرج، لكي يجعل بطليه متساويين، أو قريبين من ذلك على الأقل، أن يجعل تضحية الثاني في مقابل مأساة الأول. ثم أنه أضاف إلى لغة البروفيسور ذاك حكمة حصلها من غرقه في تضحيته، وهي أن تلك اللغة يصعب احتواؤها ولن تخضع للمشتغل فيها لأنها متغيّرة متحولة، ولن تقف عند حدّ.
*الفيلم للمخرج الإيراني الأمريكي ب. شمران، وحوّل نصه إلى السينما فرهاد سافينيا، وهو اسم آخر للمخرج، وقام بالبطولة شين بيت بدور الطبيب المجنون وميل غيبسون بدور البروفيسور. الفيلم يعرض الآن في صالات بيروت.
٭ روائي من لبنان