تحت العنوان الآنف قدّمت الصحافية البريطانية ماري ويكفيلد قصة مؤثرة حصلت قبل 12 عاماً عن نقاش حول الدين مع راهب يسوعي شهير ومحلل نفسي ملحد في دير على تلّة من بلاد تدعى سوريا.
كان الراهب هو الأب باولو دالوليو، الإيطالي الذي قرر أن يستقر في الشرق، وكان الشخص الآخر، حسب ما تصفه، محللا نفسانيا سويسريا، والمكان كان دير موسى الذي يعود للقرن السادس الميلادي، وكان مهجورا منذ القرن التاسع الميلادي، إلى أن تكفّل الأب باولو بإعادته للحياة، ثم تحلّقت حوله مجموعة من المؤمنين بحوار الأديان. ألقى المحلل النفسي السويسري على الأب باولو سؤالا: «كيف يمكن لشخص مثقف مثلك، أخ باولو، أن يؤمن بالمسيحية؟».
رد الأب باولو كان: «كل ما أعرفه هو تجربتي الخاصة». مضيفا: «تعلمت عن المسيح، مشيت معه، وحين عرفته، اكتشفت ألوهيته ـ وصار طريقي لاكتشاف ألوهيتي». تقول الصحافية إنها، وكذلك المحلل النفسي، لم يقتنعا حينها بالمحاججة.
تقول الصحافية إن المحلل كان مرهقا بمشاكل الوجود، وأنه كان يحاول الخروج من الجدار الذي وصل إليه، لأن السويسريين «لديهم كل شيء» ولأن «حياتنا سطحية جدا»، ولكنّ طريق الأب باولو لم يوصله للإيمان لأن «الواقع» وقف في مواجهة الدين.
قصّة باولو ستصبح شهيرة مع تجرئه على الذهاب في مرحلة لاحقة إلى الرقّة في أواخر يوليو/تموز 2013 لمقابلة أمير «الدولة الإسلامية» فيها لـ«الحوار» معه وإقناعه بإطلاق بعض المعتقلين من الناشطين السلميين، وأغلب الروايات تؤكد أنه قتل بعد دخوله «كهف» الدولة المظلم بأيام، وتقول الصحافية إن أحد ضباط التنظيم أدلى بحديث لجريدة عربية لاحقا قال فيه إن باولو قتل في حادث أثناء «التحقيق» معه، في لهجة غير معهودة من مسؤولي «الدولة» تبطن الاعتذار عن فعلة شائنة.
يستطيع متأمل هذه الحادثة، والعبر التي فيها، أن يقوم بتأويلها باتجاهات كثيرة، أغلبها سيتجه، رأسا، نحو أمكنة داكنة في الدماغ البشري، الذي ينفعل بالقصص أكثر بكثير مما يقتنع بالأفكار، والأغلب أيضا أن يصل إلى نتائج يسعى فيها الدماغ لتأكيد انحيازات سابقة لا تحتاج تفكّرا أو تمحيصا.
يبدو الموضوع متعلقا بالجدل بين الإيمان والواقع، ولذلك من المثير أن تختفي في مقالة الصحافية، وقائع مهمة مثل خيار الأب باولو السياسي الذي اختاره ضد نظام بشار الأسد الأمنيّ الهمجيّ لصالح السوريين الذين ثاروا على الظلم، وأغلبهم مسلمون، وأكثرهم مؤمنون أيضاً، ما يجعلها مفتوحة على اقتراح أنها لا تبحث حقّا في مسألة الدين والواقع، على العموم، بل تتغيّا المقارنة بين ذاك الشخص الحبور الوديع وذاك الوحش الذي التهمه، فيحضر، من خلال تلك المقارنة المجحفة، خصوصا في هذه الظروف التاريخية المعقدة، بين المسيحية والإسلام، فيما تغيب عناصر الإنسانيّة في صراعها مع الوحش على اختلاف وجوهه، الذي يكمن أساسه، في اعتقادي، في شرور الحكم المستبد المطلق.
في روايته «العار»، يقدّم سلمان رشدي، شخصيّة ابنة الجنرال حاكم البلاد، التي صارت داء مسلطاً على البشر ونوعاً من الوحوش المفترسة التي تهيم في الليل لتفتك بمئات البشر، ابنة الجنرال، في حالة سوريا، هي تنظيم «الدولة»، وأبوها هو حكم نظام الأسد. في مقالة ويكفيلد نتأثر، بالضرورة، بصورة إيمان الشهيد المسيحيّ الذي قتل على أيدي تنظيم إرهابي «إسلامي»، وهي صورة لا يمكن تجاهلها، ولا تجاهل مفاعيلها في مرحلة تاريخية نرى فيها أحزابا واتجاهات وقوى وشخصيات في كل أصقاع الأرض تجنّد ما تريد من الوقائع لتعزيز سرديّات الصراع الدينيّ لتحقيق أهداف سياسية. في سرديّات الصراع الديني يفضّل كثيرون تجاهل الأسباب الكثيرة المعقدة لظهور تنظيم «الدولة»، من الاستبداد «الوطني» الذي مثّله نظام صدام حسين، والحرب مع إيران، مرورا بسنوات الحصار والاحتلال الأمريكي والاضطهاد المبرمج الذي تعرّض له سنّة العراق، ويردد أولئك المتجاهلون، في المقابل، سرديّات أنظمة الاستبداد والطائفية العربية المركّبة على أهواء يمينيّة ويساريّة غربيّة في تحميل «الإسلام» بالجملة مشاكل العالم.
قصّة باولو ستصبح شهيرة مع تجرئه على الذهاب في مرحلة لاحقة إلى الرقّة في أواخر يوليو/تموز 2013 لمقابلة أمير «الدولة الإسلامية» فيها لـ«الحوار» معه وإقناعه بإطلاق بعض المعتقلين من الناشطين السلميين.
في هذه السرديّة الرائجة يتمّ إغفال «الدولة اليهودية» في إسرائيل، واليمين العنصريّ في أمريكا ترامب الذي يضع «المسلمين» كلهم في كفّة واحدة، وتتجمّع وقائع مثل هجوم الأسترالي في كرايست تشيرش، وهجوم أنديرس بريفيك في النرويج، ومجازر ميانمار تحت رعاية الزعيمة السياسية (والناشطة الحقوقية الفائزة بجائزة نوبل للسلام) أونغ سان سو كي، حيث يحرق ويغتصب ويقتل الأطفال والنساء ويهجّر مئات آلاف المسلمين، والصين التي تضع أكثر من مليون منهم في مراكز اعتقال «لتعالجهم من الإسلام»، والهند التي يردد أنصار حزبها الحاكم أنها لأتباع الهندوسية فحسب، فهل كل هذه السرديّات تعبير عن صراعات دينيّة حقاً، وأين الإيمان فيها وأين الواقع؟
٭ ٭ ٭
لا تنحو هذه المقالة، كما يمكن أن يُعتقد، إلى إنكار أهمّية الدين الذي كان، في ظني، أول أشكال «السياسة»، كما لا تسعى، بالتأكيد، إلى الدخول في حمأة الصراع بين المتدينين والملحدين، وأنا شخصيا، رغم عدم تديّني، فإنني أرفض مطلقا اضطهاد أي إنسان على أسس دينيّة (أو غير دينية طبعا). لا أعتقد أيضاً بإمكانيّة «فصل الدين عن السياسة»، كما يردد كثير من المثقفين، ويضحكني كثيراً ادعاء دول، مثل فرنسا، بأنها فصلت الدولة عن الدين، وهي التي كانت، وهي في «عزّ» علمانيّتها الاستعمارية تستخدم الكاثوليكية كأداة من أدوات التسلّط والسياسة (كما حصل في تأسيسها لبنان مثلا). لا يمكن إخراج ظاهرتي التديّن والإلحاد وتدرجاتهما، في رأيي، عن سياقها السياسي، فدعاة الإلحاد الكبار في العالم الغربي، على سبيل المثال، والذين يفترض أنهم ضد الأديان جميعا، يحتفظون بضغينة خاصة ومميزة للإسلام والمسلمين، وهو أمر يجعل إلحادهم مبقعا بألوان العنصرية والمركزية الغربية (من دون أن نستثني إمكانية وجود انحيازات دينية مبطنة). الأمر الأكثر إثارة للجدل، في رأيي، يمكن أن يعبّر عنه خبر عقد «طائفة» جديدة من غير المؤمنين بأي دين، اجتماعاً في لندن كل يوم أحد يحضره قرابة 200 إلى 600 شخص، وهم بحضورهم الدوريّ إلى «معبدهم»، يقومون بإعطاء طابع دينيّ لاجتماعهم.
انتبه عالم الأديان الشهير مرسيا إلياد إلى ظاهرة إن غياب الدين عن حياة الإنسان الحديث جعله يختلق طقوسا خاصة جديدة بديلة تشبه الطقوس الدينية، كما هو حال أعياد الميلاد والأم والأب والعمال والحب. قام إلياد أيضاً بتفكيك أيديولوجيات تعتبر نفسها «ضد ـ دينيّة»، كالماركسية، كاشفا العناصر الدينيّة الكثيرة فيها من ديكتاتورية البروليتاريا إلى يوتوبيا الشيوعية الخالية من الطبقات. أما الباحث البريطاني في حقل الأفكار الأوروبية، جون غراي، فكشف كثيراً من الأساطير التي لفقتها سرديات الحداثة والتقدم والتنوير عن أهم الشخصيات التي ساهمت في العلم الحديث، وكشف الجذور المسيحية لنظرياتهم، وآثارها الواضحة في أغلب الأيديولوجيات التي تسود العصر الحديث.
٭ ٭ ٭
أرسل لي صحافي صديق دعوة لترويج جمعيّة قام بإنشائها لـ«منع استخدام الدين في السياسة»، وهي دعوة ظريفة حقاً ولا يحتاج تطبيقها سوى إلى إقناع الـ87٪ من سكان العالم التابعين لأديان أن يكفّوا عن اعتبار دينهم شأنا له علاقة بالسياسة، وأن نقنع الاتجاهات السياسية الكبرى، مثل أحزاب اليمين الوسطي والمتطرف في الغرب، والأحزاب والاتجاهات البوذية والهندوسية والإسلامية واليهودية بالامتناع عن استخدام الدين في السياسة. علينا أيضا أن نقنع القوى السياسية التي تضطهد المتدينين (كما هو الحال في الصين) لأن هذا الاضطهاد هو أيضا «استخدام للدين في السياسة»!
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»