فيلم “أثنا عشر رجلا غاضبا” وتحقيق العدالة

زيد خلدون جميل
حجم الخط
1

كان فيلم “أثنا عشر رجلا غاضبا” الذي انتج عام 1957 علامة فارقة في تاريخ السينما بسبب كونه أول فيلم تناول موضوعا بالغ الأهمية بالنسبة للمجتمع الأمريكي وهو مفهوم المحلفين في المحاكمات الذي يعد أحد أسس النظام القضائي الأمريكي. وقد شاركت في الفيلم مجموعة من أشهر ممثلي هوليوود آنذاك مثل هنري فوندا وجاك كلوغمان ومارتن بلسم وآخرون. وهو أكثر فيلم تم الاقتباس منه في أعمال فنية لاحقة من أفلام ومسلسلات تلفزيونية. وأعيد إنتاج الفيلم في السينما والمسرح عدة مرات وفي بلدان لا تستعمل نظام المحلفين أصلا مثل اليابان وروسيا والصين والهند وغيرها، وانتجت نسخا فكاهية وقصصا للأطفال مأخوذة من الفيلم في بريطانيا والولايات المتحدة. ولكن أشهر نسخة مطابقة للفيلم كانت من انتاج عام 1997 ومثل فيها أشهر ممثلي عهدهم في هوليوود وهما جاك ليمون وجورج سي سكوت. ولا تزال أحداث الفيلم ترمز إلى جزء من الحياة الحديثة وتبقى المشاعر التي عبر عنها الممثلون حية في كل محاكمة تجري في أيامنا هذه.

يبدأ الفيلم في قاعة محكمة في مدينة نيويورك الأمريكية حيث يحاكم متهم شاب في الثامنة عشرة من عمره بتهمة قتل والده ذي السوابق الجنائية في شقته الواقعة في أحد أشد أحياء المدينة فقرا. وبعد انتهاء محامي الدفاع والمدعي العام من عرض آرائهما والأدلة، أخبر القاضي أعضاء هيئة المحلفين أن عليهم القرار بشكل جماعي إن كان المتهم بريئا أم مذنبا. وفي حال اعتباره مذنبا، فسوف يحكم عليه بالإعدام، وأن عليهم الأخذ بنظر مبدأ “الشك المعقول” الذي لو اقتنع بوجوده أيا منهم فسوف يعتبر المتهم بريئا.

وما أن يبدأ اجتماع المحلفين للتوصل إلى قرار جماعي، حتى يبدو واضحا أن عضوا واحدا (هنري فوندا) منهم فحسب وهو المحلف رقم 8 لم يكن مقتنعا بقوة الأدلة وثبوت الاتهام وأن “الشك المعقول” كان قائما نظرا لضعف الأدلة على الرغم من انزعاج الجميع الذين كانوا متأكدين من كون المتهم هو من قتل والده. وهنا يبدأ النقاش ويتناول ذلك المحلف الوحيد كل دليل على حدة ونقاط الضعف في شهادة الشهود ويبدأ بإقناع المحلفين الواحد تلو الآخر حتى يقتنع الجميع بقوة حجته بعد نقاشات طويلة كادت أن تتحول إلى عراك عنيف. وفي نهاية الفيلم يقرر المحلفون أن المتهم بريء نظرا لوجود “شك معقول” لديهم حول اتهامه. وهنا تنتهي قصة الفيلم.

يتناول الفيلم تأثير الحالة النفسية للإنسان على اتخاذ قرار بشأن مصير إنسان آخر، خاصة عندما يشعر الأول أنه لن يواجه أي عواقب. والموقف الغريب في الفيلم وكذلك كل اجتماع للمحلفين هو اجتماع 12 شخصا لا يعرف أحدهم الآخر وعليهم التوصل إلى قرار في غاية الخطورة، يقرر مصير حياة إنسان دون أن تكون لديهم أي خلفية قانونية أو حتى أدنى فكرة عن كيفية القيام بذلك سوى كلمات قليلة غير مفهومة من القاضي. وفي هذه الحالة فإن الاستخفاف بمصير الإنسان يصبح واضحا، ونجد في الفيلم الشهود الذين يقرون بشهادات غير متأكدين منها والمحلفين الذين لم يأبهوا بدراسة الأدلة التي قدمها المدعي العام.

يركز الفيلم على شخصية كل محلف حيث كان أحدهم في عجلة من أمره لأنه كان قد اشترى تذاكر لحضور مباراة رياضية هامة ذلك المساء ولذلك فقد كان يؤيد إدانة المتهم تماشيا مع الأغلبية للتوصل إلى القرار بسرعة، وما أن وجد أن كفة البراءة أخذت تكون الأرجح حتى غير رأيه فورا كي تنتهي المجادلات بسرعة ويذهب لمشاهدة المباراة. وبالنسبة للمحلف الآخر الذي كان يكره الشباب بسبب خلافاته الحادة مع ابنه فالمتهم الشاب يجب أن يكون مذنبا ويستحق الإعدام. ومحلف آخر كان يكره الطبقات الفقيرة حتى كاد أن يدخل في عراك مع زميل في الغرفة من أصول فقيرة. وكان هناك المحلف الأوروبي الأصل الذي كان حصل على الجنسية الأمريكية مؤخرا ولم يتوقف عن الحديث عن المبادئ الوطنية دون أن يهتم بما يحدث حوله. وذلك المحلف الذي كان متأكدا من جرم المتهم لأنه من الأقليات، وهلم جرا.

يبدو الفيلم أقرب إلى المسرحية منه إلى الفيلم العادي، فجميع المشاهد تقريبا تجري في غرفة واحدة، وهي غرفة اجتماع المحلفين والتي تدور فيها نقاشاتهم. ولذلك كان للإخراج والتصوير البارع أثر واضح في جعل الفيلم مثيرا للمشاهد. وامتازت المبالغات الدرامية للنقاشات بمظهر واقعي تجعل المشاهد يعتقد أنه أمام مناقشات لمحلفين حقيقيين.

وتعتمد قصة الفيلم على أهمية مفهوم “الشك المعقول” في القضاء الأمريكي والذي يعتبر من أسس عمل المحلفين، حيث يقوم القضاة بتذكير المحلفين بمبدأ “الشك المعقول” ولكنهم عادة لا يشرحون لهم معنى ذلك تاركين للمحلفين المساكين حرية تفسير هذا المبدأ كيفما ومتى يشاؤون. وحتى إذا شرح القاضي مفهوم “الشك المعقول” فإن شرحه يتكون من تعابير قانونية صعبة الفهم بالنسبة للمواطن العادي، ومن النادر أن يكون أحد المحلفين محاميا كي يفهم كلام القاضي. ولكن ما هو “الشك المعقول” هذا؟ لا يتفق الخبراء القانونيون تماما في تفسير هذا المفهوم، وتعرفه بعض المصادر القانونية أنه “شك حقيقي مبني على المنطق والفطرة السليمة بعد أخذ كل الأدلة بنظر الاعتبار بحذر”. ويؤخذ “الشك المعقول” لصالح المتهم حيث تقع مهمة اثبات الجريمة على المدعي العام. ومع ذلك فإن قراء دقيقة لهذا التعريف تعطي الانطباع أن الشك الطفيف بمفرده لا يكفي، ويعتبر المتهم هنا مذنبا.

انتقد بعض الخبراء الفيلم، فمثلا ذكرت عضوة في محكمة العدل العليا الأمريكية انها كانت تذكر المحلفين دائما بوجوب الاعتماد على الأدلة التي تذكر في المحكمة حصرا. وذكر خبراء أن مواجهة بين عضو واحد فقط وبقية المحلفين تنتهي عادة بخضوع ذلك الصوت المعترض. وفي طور مناقشات القضية فإن النقاش يكون عادة تحت هيمنة ثلاثة أو أربعة محلفين فقط بينما لا يشترك الآخرون اشتراكا حقيقيا.

وعلى الرغم من انتقاد الخبراء للفيلم في طريقة شك المحلف رقم 8 وآخرين حول صحة شهادة الشهود، فإن الدراسات الحديثة أخذت تؤيد ما دار في الفيلم بالنسبة لشكهم بصحة ما قاله الشهود، حيث قام العلماء بتجارب كثيرة لدراسة كيفية عمل ذاكرة الشاهد والتأثير عليها. وكانت نتيجة تلك الدراسات أن الشاهد يتمتع عادة بذاكرة ضعيفة ومن الممكن التأثير عليها وتغييرها إذا تعرض لتأثيرات معينة.

ومن الأشياء التي أثارت الانتباه في الفيلم أن المحلف رقم 8 يعبر عن أسفه لخلفية المتهم الفقيرة وأن محامي دفاع المتهم كان قد عُينَ من قبل المحكمة التي كانت تدفع أتعابه، ولذلك فإن محامي الدفاع لم يكن جادا في عمله لأنه لن يستفيد كثيرا من هذه المحاكمة. وعلى الرغم من ادعاء خبراء قانونيين أن المحلفين يشعرون بالعطف على متهم من هذا النوع ويأخذون بالنظر عدم جدية محامي الدفاع مما قد يخفف من الحكم، فإن متابعة دقيقة لأشهر المحاكمات في الولايات المتحدة الأمريكية تبين مدى أهمية المال في الدفاع عن المتهم، حيث أن أفضل المحامين يكونون عادة أغلاهم. وقد نجح بعض المتهمين الأغنياء في الحصول على البراءة عن طريق توظيف ليس محاميا كبيرا واحدا بل فريقا من المحامين الكبار الذين نجحوا بالتغلب على المدعي العام في حججهم وخلق “الشك المعقول” لدى المحلفين. ومن أشهر هذه المحاكمات كانت محاكمة الممثل ولاعب كرة القدم الأمريكية الشهير “أو جي سمبسن” عام 1994. وقد ظهرت انتقادات حول طريقة اختيار المحلفين وتوجد آراء حول محاولة بعضهم الإسراع في إدانة المتهمين المنتمين إلى أقليات أو محاولة بعض المحلفين الضغط على الآخرين لفرض رأيهم. وكل هذا يظهر أن مشاعر المحلفين ممكن أن تلعب دورا في تحديد قراراتهم ومن الممكن التأثير عليهم بهذه الطريقة.

نظام المحلفين ليس اختراعا حديثا حيث طبقه اليونانيون، وبهذه الطريقة أعدم الفيلسوف اليوناني الكبير سقراط في ظروف غريبة. ولكن الأوروبيين الحاليين اقتبسوا هذا النظام من تقاليد القبائل الألمانية القديمة حيث كان يتم تعيين مجموعة من رجال القبيلة للتحقيق في جريمة ما وتولي مسؤولية إصدار الحكم. وبعد ذلك انتقل هذا التقليد إلى انكلترا، ثم تبنته الولايات المتحدة الأمريكية بعد حصولها على الاستقلال من بريطانيا.

بعد نجاح هذا الفيلم كثرت الأفلام والمسلسلات الأمريكية التي تتناول النظام القضائي الأمريكي بمختلف جوانبه، وتوسع الأمر إلى نقل أشهر المحاكمات في التلفزيون ثم ظهرت برامج تعرض قضاة سابقين في دور الحكم للبت في نزاعات حقيقية أمام كاميرات التلفزيون. وبذلك يجد المشاهد غير الأمريكي نفسه محاطا بهذا الإعلام ويصبح مطلعا على النظام القضائي الأمريكي الذي يظهر في الإعلام أكثر من اطلاعه على نظام بلده القضائي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية