صافرة الإنذار التي أيقظت في الساعة الخامسة والنصف من صباح أمس سكان ناحل عوز والمحيط كانت تذكيراً بأن غزة لا تزال هنا. هذا لا يعني أن أحداً ما في الغلاف كان يحتاج هذا: فقبل بضع ساعات فقط من ذلك أطلقت مرة أخرى بالونات متفجرة وحارقة إلى الأراضي الإسرائيلية، ما أدى إلى إطلاق غارة على أهداف لحماس في القطاع في ساعات متأخرة من الليل.
قبل بضعة أيام من ذلك أطلقت الصافرة في مناطق واسعة (وشمالية) أكثر. حصل هذا بعد أن أطلق الجهاد الإسلامي صاروخاً من شمال القطاع إلى منطقة أسدود. ولشدة الحظ سقط الصاروخ في أرض مفتوحة، دون أن يلحق ضرراً أو إصابات، ولكن بخلاف الماضي ـ هذه المرة لم يتجرأ أحد حتى على الادعاء بأن هذا كان بالخطأ. فإطلاق النار نفذه التنظيم عن قصد.
ينفذ هذا الإرهاب رغم اتفاق تهدئة صريح بين إسرائيل وحماس، تحقق عشية يوم الأرض الأخير بوساطة مصرية. إسرائيل، في رد محسوب نسبياً، اكتفت هذا الأسبوع بتقليص المنطقة المسموح فيها للصيد من 15 ميلاً بحرياً إلى 6، ولكنها امتنعت عن تحطيم الأواني، والدليل: المحادثات للوصول إلى تسوية طويلة المدى استمرت كل الوقت بينما كان الطرفان ـ إسرائيل وحماس ـ يؤكدان أنهما ملتزمان بها.
هذا الذي يلتزم بالتهدئة وذاك الذي لا يلتزم.
غير أن هذه الأيام عصبية على نحو خاص. بالضبط مثلما كان عشية يوم الأرض، حين عرفوا في غزة بأن إسرائيل قابلة للابتزاز على خلفية عدم رغبتها بالتصعيد عشية الانتخابات وعيد الفصح، فإن الأسابيع القادمة هي الأخرى تضع إسرائيل في وضعية أقل راحة حيال القطاع. فسلسلة الأحداث ـ التي بدأت أمس مع يوم الكارثة، ستستمر في الأسبوع القادم مع أيام الذكرى والاستقلال ويوم النكبة في منتصف أيار، وعندها مع جملة أحداث الايروفزيون ـ تعطي مرة أخرى المنظمات في غزة فرصة للضغط على إسرائيل التي ستفعل كل شيء كي تمتنع عن الانزلاق إلى مواجهة.
في غزة يشخصون هذا بلا شك، ولكن سياسة المنظمات ليست موحدة. فحماس متمسكة بالتهدئة؛ كل المؤشرات تدل على ذلك. صحيح أنها تسمح بقدر معين من الأعمال، ولكن بحماسة أقل بكثير من الماضي. من ناحيتها، كل حدث كهذا من شأنه أن يتدهور إلى التصعيد، ويعرض للخطر الهدف الأساس ـ تحسين الوضع الاقتصادي الذي هو شرط أساسي للحفاظ على حكمها في القطاع.
بالمقابل، فإن الجهاد الإسلامي أقل التزاماً بالتهدئة. فهذا ليس فقط ميله الطبيعي للعزلة ورغبته في حفظ نار الصراع ضد إسرائيل: فالتنظيم اجتاز في الأشهر الأخيرة تطرفاً واضحاً يقلق إسرائيل. فتغيير قيادته، ونقل السيطرة إلى زياد نخالة، الشاب والمتطرف (واصله من غزة)، يجد تعبيره بإصبع رشيقة أكثر على الزناد.
يتنقل نخالة بين دمشق وبيروت. وهو على اتصال مستمر مع كل أذرع المحور – إيران، سوريا، حزب الله ـ ويعيش تحت رعايتهم وعلى حسابهم. وبصفته هذه فإن التزامه تجاه إيران أكبر بأضعاف من التزام حماس؛ أحياناً يجد صعوبة في صد ضغط طهران للعمل. النار إلى أسدود كانت أشارة واضحة أخرى إلى أنه بينما تعمل إسرائيل مع حماس ـ بالصواريخ أو بالكلام ـ فإن الذي من شأنه أن يشوش على الخطط هو «الجهاد».
في المرحلة الحالية تواصل إسرائيل الخط العادي: المسؤولية تلقى على حماس. حتى لو كان الجهاد يهاجم، فإن إسرائيل ترد على أهداف لحماس كي توضح بأنها بصفتها رب البيت في القطاع فإنها تتوقع منها أن تحرص على التزامها بالتهدئة. غير أنه ليس مؤكداً كم من الوقت ستكون هذه السياسة ناجعة؛ فحماس تبدي صعوبة متزايدة في مواجهة الجهاد. وهذا ليس فقط لقوة الجهاد العسكرية والسياسية وعلاقاته مع إيران ـ المسؤولة أيضاً عن جزء من التمويل لحماس ـ بل وأيضاً المعرفة بأنه يمسك في يديه مفاتيح التصعيد، ومن هنا الرغبة في مصالحته كي لا تنجر حماس وراءه إلى مطارح غير مرغوب فيها.
مشكوك في أن تكون إسرائيل بحاجة إلى مواصلة هذه اللعبة على مدى الزمن. فهي تعطي قوة كبيرة جداً لجهات مسؤوليتها محدودة. فأمر واحد هو التعامل مع يحيى السنوار، مهما كان مخرباً ومجرماً ولكنه يضع اقتصاد ورفاهية 2 مليون من سكان غزة كل صباح أمام ناظريه، وشيء آخر هو الرقص على أنغام أكرم عجوري، قائد الجهاد في القطاع ومن اهتماماته أضيق بكثير.
البحث عن حلول مدنية
طرحت في السنة الأخيرة في إسرائيل أفكار لتغيير السياسة تجاه الجهاد. استغلال إحدى جولات التصعيد وتركيز الضربة عليه. هذا لم يحصل وذلك لاعتبارات مختلفة في كل مرة، ولكن يحتمل أنه حان الوقت. فالجهاد الإسلامي لم يعد منذ زمن بعيد تلك البعوضة بل هو مصدر ذو وزن يرفض الطاعة لقوانين اللعب. وكان إطلاق النار هذا الأسبوع نحو اسدود مثالاً واحداً يستوجب، على الأقل، إجراء إعادة تقويم للسياسة تجاهه. هذا لن يؤدي إلى تغيير في الشروط الأساس في غزة، ولكنه سيخرج الجهاد من مجال الحصانة المريح الذي تتمتع به اليوم.
إسرائيل تمتنع حالياً عن ذلك. وكما أسلفنا، فإن شهر أيار ليس جيداً للحرب، وبعده يأتي رمضان، وعندها ستأتي صفقة القرن لترامب. كل هذا ينطوي على أسباب لا تنتهي ـ وهمية أو حقيقية ـ للتصعيد، الذي مشكوك أن يحصل: لقد أثبتت إسرائيل في السنة الماضية استعداداً للتنفس العميق والسير بعيداً لغرض الامتناع عن القتال، ومعقول أن تتصرف هكذا في المستقبل أيضاً، بما في ذلك منح بادرات طيبة وتسهيلات أخرى للقطاع.
كما أن دخولاً محتملاً لافيغدور ليبرمان لوزارة الدفاع لن يغير الوضع. فقد انسحب ليبرمان من الحكومة في شهر تشرين الثاني الماضي بعد أن ردت مطالبته بمعركة واسعة تجاه حماس. فنتنياهو ورئيس الأركان في حينه آيزنكوت فضلا التركيز على الأعمال ضد أنفاق حزب الله في الشمال، ولكن هذا المبرر لم ينجح في إخفاء عدم الحماسة الأساسية للانزلاق نحو معركة في غزة.
لا يختلف رئيس الأركان الجديد افيف كوخافي جوهرياً عن سلفه في الاستراتيجية التي يرغب في تصميمها تجاه القطاع. صحيح أنه أكد عنصر الجاهزية لإمكانية الانزلاق إلى تصعيد، ولكنه يؤيد الحلول المدنية والاقتصادية والإنسانية التي تؤدي إلى تحسين وضع السكان في غزة.
في هذه الأثناء، تواصل حماس كونها شريكاً في هذه السياسة. وللطرفين لا يزال هناك طريق غير قصير للتقدم في الحوار، قبل أن يكونا مطالبين بالوصول إلى أفعال. وفي حينه أيضاً ستأتي المعاضل، وعلى رأسها جثتا الشهيدين من الجيش الإسرائيلي والمدنيين الإسرائيليين المحتجزين في غزة. هنا أيضاً، توجد أفكار إبداعية طرحت مؤخراً لم تنضج بعد. هذا يتطلب وقتاً، مثل المحادثات بشكل عام – في أثنائه ستنشأ ثقة بين الطرفين. غير أن للزمن قوانين خاصة به: فهو يخدم أيضاً أولئك الذين من شأنهم أن يعرقلوا كل الجهود، ويغيروا الاتجاه في القطاع ـ من التهدئة إلى القتال.
يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 3/5/2019