علي كنعان (1936 ــ ) شاعر سوري مخضرم ينتمي إلى جيل مطلع الستينيات من القرن الماضي، الذي ضمّ أمثال علي الجندي وفواز عيد وممدوح عدوان ومحمد عمران وآخرين. له تسع مجموعات شعرية جمعها في مجلدين، وأصدر بعدهما مجموعة عاشرة بعنوان “غيوم الخشخاش”، 2016. وقد عمل في الصحافة الثقافية قرابة ربع قرن، كما سافر إلى اليابان ودرّس الأدب العربي في جامعة طوكيو طوال ثلاث سنوات، اشتغل بعدها محرراً مترجماً في “دارة السويدي الثقافية” في أبو ظبي. له في النثر “السيف والمرآة” و”مدار التنين”، وعمله الأخير هذا يغطي فترات متباعدة من ذاكرته الشخصية والشعرية وهواجس الصبا وهموم الشباب والمشيب.

هنا فقرات عن وقائع إقامة في مصحّ “بحنس” الجبلي في لبنان:
“في ذلك المعتزل الجبلي المحاط بغابات من أشجار الصنوبر، تيسرت لي مكتبة تضم نحو ألف كتاب من أمهات التراث، شعراً ونثراً، إضافة إلى عصر النهضة. وهناك آنست إلى صحبة جبران والشابي وإيليا أبو ماضي وشوقي وحافظ إبراهيم وعلي محمود طه، فضلاً عن الزيات والمازني وطه حسين وميخائيل نعيمة والعقاد وتوفيق الحكيم وزكي مبارك (…) حاستي الموسيقية ترتاح كثيراً لإيقاع البحر الطويل، بدءاً من معلقات طرفة وامرئ القيس وزهير بن ابي سلمى، مروراً بأشجان الغضا في لوعة مالك بن الريب وهو يرثي نفسه، وليس انتهاء بروائع مختارة من الحطيئة والمتنبي وبشار وأبو نواس والبحتري وأبو تمام. كما أنني استمتع إلى حدّ النشوة بإيقاع البسيط، بحر العديد من أولى محفوظاتي وأجملها، من “الفراشة المحتضرة” لإيليا أبو ماضي إلى “واحرّ قلباه” وبِمَ التعلل” للمتنبي، مروراً بـ”أضحى التنائي” و”إني ذكرتك في الزهراء” لابن زيدون، فضلاً عن رثاء الأندلس وفجيعة أبي البقاء الرندي بها، ومن “بردة” كعب بن زهير إلى الخنساء ومراثيها لأخيها صخر “قذى بعينيك”، الَلَم المتوّج بالنار، والذي تحدث عنه المعرّي في “رسالة الغفران”، دون أن أنسى معلقة النابغة الذبياني “يا دار ميّة”، ومعلقة الأعشى “ودّع هريرة”. لكنّ اقتران اللام بالتاء في قصيدة كُثير جاء ليضفي عليها سحراً موسيقياً خاصاً، وإيقاعاً شجياً وعذوبة متميزة.
ويطيب لي هنا التأكيد على استئثار البسيط والطويل بمحبتي وإعجابي، لأنهما بحران غنائيان بامتياز؛ وكنّا ننشد القصائد المنظومة على هذين البحرين بطريقة عراقية شجية، وربما كان ذلك محاكاة لنجوم الغناء العراقي في أواخر الأربعينات من القرن الماضي. ومن يترنم بهما يتبين له أن إيقاع البسيط مستوحى من سير الخيول الأصيلة، بينما نرى أن الطويل يتهادى وئيداً على إيقاع حركة الإبل. واليوم، وأنا أتلفت عابراً نحو خمس وستين سنة لاستحضار تلك الذكرى، لا أملك إلا أن أحمد الله ــ سبحانه وتعالى ــ الذي ابتلاني بالمرض ليكون وسيلة طيبة دافعة للسفر والتنعم بما في تلك المكتبة من روائع البيان، كما لا يمكن أن أنسى فضل أخوتي الكبار واياديهم السخية البيضاء، رغم شحّ المواسم”.
التكوين، دمشق 2019