عاطف عبد العزيز: “شيء من هذا الغبار”

حجم الخط
0

هذه هي المجموعة الشعرية الحادية عشرة للشاعر والمترجم المصري عاطف عبد العزيز، وقد سبقتها “ذاكرة الظل”، 1993؛ و”كائنات تتهيأ للنوم”، 2008؛ و”برهان على لا شيء”، 2016؛ وسواها. ولديه قيد الطبع نص مشترك مع الشاعرة المصرية غادة نبيل، بعنوان “تقاطعات”. وهو خريج مدرسة الفنون الجميلة، ويعمل مهندساً معمارياً، وشارك في تحرير مجلات وملاحق أدبية عديدة.

وقال الناشر إنّ في المجموعة الجدية هذه تنفتح تجربة الشاعر على مساراتٍ، وإن بدت مألوفة، غير أنها تحيلنا على خبرة وذكاء تعكسان التراكم والاشتغال على مدار عقود من الزمن لمشروعٍ شعري متميز في كتابة قصيدة النثر. تتكثَّف اللحظة الشعرية في القصائد، حتى تغدو تفاصيل صغيرة يلتقطها الشاعر، أو بالأحرى يمضي بها بعيداً في الكتابة عن عاداته اليومية في مدينة القاهرة، وعن حياته الخاصة، والتي يُقلِّبُها كصفحات ألبوم صورٍ تتوالد منه الذكريات والمشاعر المتناقضة والمشاهد والصُّدف، كمَن يصنع حياة متخيَّلة، ثمَّ ينغمس فيها كواقعٍ بديل.

يتكوَّن الكتاب من عشرين قصيدة، متبوعةً في آخره بنصٍّ بعنوان “سأم القاهرة” في تقاطع مع عنوان كتاب شارل بودلير “سأم باريس”، وهنا سنقفُ على هامشٍ آخر للهامشِ الذي يصنع عوالم الشاعر، بما يؤثثها بصرياً وما يتناسل منها أسئلة تتفاقم كظلال للمدينة الصاخبة، كغبار يعلو الوجوه والأشياء والذاكرة، لتُمسي الاكتشافات والخيبات الآنية مسرحاً للأحداث البسيطة وحوادث القلب، ناهيكَ عن التماهي في الآخرين ولا يبدو أحدٌ في مرآة الشاعر غريباً أو أكثر غربة من الشاعر نفسه.

في هذه القصائد يمكننا التنقل، حين نمسكُ بخيط السَّرد، بين أمكنة عديدة، شوارع ومقاهٍ وحانات ونلتقي أشخاصاً سندرك أننا التقينا بهم في منعطف ما، في لحظة فاصلة بين زمنين مختلفين. تماماً كما التقى الشاعر بحبيبة أبيه وكتب:

فِي الحَقِيقةِ،

لم أَقوَ عَلَى إِخْفَاءِ دَهْشَتي عِندَما فُوجِئُتُ

بخَصْرهَا الضَّامِر.

خَصْرٌ ضامِرٌ

رَغْم سِنِّها التِي كانتْ قد أوغلَتْ

فيما بعد السِّتِّين.

لم أَقْوَ، أيضاً، عَلَى إِيقَافِ اِنْثِيَالِ أَفْكَارِيَ الخَشِنَة

مِنْ مِثْل:

كَمْ مِنَ الرِّجَالِ، يا تُرَى،

قد دنَّسُوا المواضِعَ التِي زَارَها ذاتَ يومٍ أبِي،

وتَرَكَ بِها عَلامَاتِه؟

هل خَرَجَ إلى الوُجُودِ كائِناتٌ

مِنْ هذا الجَسَدِ البَهِيِّ الذِي يَتَأوَّدُ

الآنَ تَحتَ الضَّوْءِ؟

(كُنتُ أَعنِي بالطَّبْعِ، أولئِكَ الذِينَ كَانُوا مِنَ المُمكِنِ – لو سَارَتِ الأُمُورُ

فِي مجرَياَتهِا – أن يصَيرُوا أخوَتي)

شَاقٌّ،

أنْ يرَى المَرءُ حَبِيْبَةَ أَبِيْهِ الرَّاحِلِ صُدْفَةً،

أو غيرَ صُدْفَةٍ.

فَحِينَ اِلتَقْتْ عُيُونُنا،

خُيِّلَ إليَّ لِلَحْظَةٍ أنَّها عَرَفتْنِي،

كَما خُيِّلَ إليَّ أنّ الكَأسَ اِرْتَعَشَتْ

فِي يَدِهَا المعْرُوْقَة،

حتَّى إنّني اضطُرِرْتُ إلى الاِعْتِذَارِ لَها

عَمَّا لم أَفْعَلْ،

بعدَ أن تَذَكَّرْتُ ذلكَ الرَّجُلَ المِسكِينَ

الذِي اِنْتَابَتْهُ الرِّعْشَةُ فِي فِراشِ الموْت،

حينَ وَصَلَهُ صَوْتُها مَرَّةً

مِنَ المِذْياعِ البَعِيدِ.

المتوسط، ميلانو 2019

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية