ليبيا: لغز الطائرات المجهولة ونفي السيسي

حجم الخط
19

بعد استيلاء قوات لحركات إسلامية ليبية من مدينة مصراتة على مطار طرابلس قصفت طائرات حربية مجهولة ليلة الجمعة السبت مواقع في العاصمة الليبية، وقد اتهمت هذه الحركات حكومتي مصر والإمارات بالضلوع في القصف الجوي. ونقلت وكالة الانباء الليبية عن المتحدث باسم عملية «فجر ليبيا» قوله ان «معلومات استخبارات الثوار تبين ان حكومتي الإمارات ومصر ضالعتان في هذا العدوان الجوي» داعياً الجهات الدولية إلى تحمل مسؤولياتها الأخلاقية «لمنع انتهاك سيادة ليبيا».
ورداً على ذلك نفى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قيام القوات المسلحة المصرية بأي عمل عسكري داخل الأراضي الليبية أو خارج الحدود المصرية قائلاً في لقاء مع رؤساء تحرير الصحف الرسمية والحزبية والخاصة أمس: «اننا لم نقم بأي عمل عسكري خارج حدودنا… حتى الان».
وتحمل كلمتا «… حتى الان» اللتان استخدمها السيسي إشارة إلى ان العمل العسكري خارج الحدود ممكن، أو سيحصل، لاحقاً.
وكان البرلمان الليبي قد طالب رسمياً في وقت سابق من الشهر الجاري بـ «التدخل الدولي العاجل لحماية المدنيين ومؤسسات الدولة» ولكن رئيسه عقيلة صالح عيسى أكد انه لم يطلب حتى الآن التدخل بضربات على ليبيا، لكن المشكلة ان البرلمان المنتهية ولايته استأنف عقد جلساته مؤقتا، على خلفية «عدم التزام مجلس النواب المنتخب بالإعلان الدستوري» و»ارتكابه لجملة من المخالفات وعلى رأسها طلب التدخل الأجنبي»، مما خلق عملياً برلمانين في ليبيا. وإذا أضيف ذلك إلى الدعوة التي قدمها البرلمان الأول لتشكيل مجلس أعلى للجيش بدلا من رئاسة الأركان، ووجود عملية «فجر ليبيا» بمواجهة عملية «الكرامة» التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر فسيكون الاستقطاب السياسي والعسكري قد استكمل أركانه في ليبيا.
وكانت طائرات مجهولة أيضاً قد قصفت مواقع في طرابلس يوم الإثنين الماضي وأكدت الحكومة الليبية آنذاك انها لا تعرف هويّة تلك الطائرات ولا علم لها بالجهة التي تستخدمها، فيما أعلنت رئاسة الأركان الليبية في اليوم نفسه ان الضربة الجوية «نفذها طيران أجنبيّ وليس محلّيا»، وكان إنْ نفت دول عديدة بينها إيطاليا وفرنسا ان تكون هي الفاعلة!
تتراكب في المشهد الليبي عناصر لا يمكن اختصارها بالأيديولوجيا، كما يفعل اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي لا ينفكّ يتهم الإسلاميين، بكافة اتجاهاتهم، بالإرهاب، مكرّراً بذلك الوصفة الرسمية الجاهزة التي تعتمدها أغلبية الأنظمة العربية، كما لا يمكن اختصارها بالنزاعات القبلية (حيث تناصر ميليشيات من الزنتان عملية «الكرامة»، فيما تناصر ميليشيات من مصراتة عملية «فجر ليبيا»)، أو الجهوية (حيث تنحاز مناطق شرقية إلى حفتر وتنحاز مناطق غربية إلى خصومه)، ولكن الأكيد ان الصراع الإقليمي يستغل هذا الصراع ويؤججه ويحرّض باتجاه توريط الحكومة المصرية بالتدخل العسكري في ليبيا.
أما على الصعيد الدولي فليس من المتوقع ان يتّحد العالم مرّة أخرى كما فعل حين تدخّل ضد حكم معمر القذافي، رغم فعل الندامة الذي عبّر عنه أوباما في حديث له عن استنكاف أمريكا عن مساعدة الليبيين بعد سقوط الدكتاتور السابق.
غير ان الحقّ يقال ان نتائج التدخّل الأمريكي، كما حصل في أفغانستان والعراق، لا يقلّ سوءاً عن عدم تدخّلها كما جرى ويجري في سوريا. أما وصفة التدخّل العربي، فقد جرّبتها مصر أيام عبد الناصر في اليمن، وكانت نتائجها كارثية على مصر، واعتبرت أحد أسباب هزيمتها عام 1967 أمام إسرائيل، كما جرّبتها سوريا أيام حافظ الأسد، وما زالت نيرانها الكارثية تشعل البلدين.
استجداء التدخّل قد يحسم الصراع ضد طرف في ليبيا، كما حصل ضد القذافي، لكنّه لا يضمن عدم استمرار الصراع بأشكال أخرى، أو امتداده إلى البلدان التي جاء منها التدخل.
ما لا يستطيع الليبيون ان يحلّوه بأنفسهم لا يستطيع العالم ان يحلّه لهم.

رأي القدس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية