واشنطن-“القدس العربي”: تزعم إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن الولايات المتحدة لا تنوي الإطاحة بالجمهورية الإسلامية أو إيذاء الإيرانيين، ولكن أفعال واشنطن تقول عكس ذلك، ويبدو أن حملة “الضغط الأقصى” تهدف إلى استفزاز إيران للانسحاب من الاتفاق النووي لعام 2015 والضغط على البلاد اقتصاديا دون أي اعتبار للإيرانيين العاديين، وهناك توقعات أن يحقق ذلك نتائج عكسية للأهداف الأمريكية والأوروبية.
عندما جدد ترامب جميع العقوبات المفروضة على إيران، أعطى ثمانية مشترين دوليين للنفط الإيراني ستة أشهر لخفض المشتريات إلى الصفر، وكفل نظام التنازل أن دخل إيران من النفط سيذهب إلى حسابات الضمان، ليستخدم في شراء الغذاء والدواء، ونتيجة لذلك، فإن إنهاء هذه الاعفاءات سيؤثر بالكاد على ميزانية الحكومة في طهران ولكنه سيؤدي إلى إعاقة وصول إيران للعملات الصعبة، وهو أمر أساسي في قدرتها على شراء الغذاء والدواء.
ولاحظ العديد من المحللين الأمريكيين أن قرارات ترامب غير منطقية وستجلب نتائج عكسية فيما يتعلق بمزاعم محاولة منع إيران من الحصول على أسلحة نووية، إذ وفرت الاعفاءات السابقة الفرصة لمواصلة “مشاريع عدم الانتشار” في المواقع النووية الإيرانية الرئيسية مثل محطة بوشهر للطاقة النووية ومحطة فوردو ومفاعل آراك للمياه الثقيلة، ووافقت إيران على تحويل بنيتها التحتية النووية إلى بنية أساسية لا يمكن استخدامها إلا للأغراض المدنية، والتغييرات في مفاعل آراك، على سبيل المثال، تعني أنه لم يعد في إمكانه إنتاج البلوتونيوم – المسار الثاني لقنبلة نووية – كمنتج ثانوي، ولكن إيران تحتاج إلى مساعدة أجنبية لإجراء هذه التغييرات.
وقالت المحللة دانا اسفانداريمن، وهي خبيرة دولية في مدرسة هارفادرد كيديندي للعلوم والشؤون الخارجية، إن عدم تجديد الإعفاءات النووية في أيار/مايو ليس له معنى، ويتعارض مع جميع أهداف عدم الانتشار التي تسعى إلى تحويل المنشآت النووية الإيرانية إلى برامج مدنية بحتة، وهذا بالطبع لن يؤدي إلى ارتياح، بأي حال من الأحوال، بين جيران إيران أو أوروبا أو الولايات المتحدة.
والسؤال الذي يطرحه الخبراء هنا، ما الذي يحاول ترامب تحقيقه من خلال حملة “الضغط الأقصى”؟
وفقا لما قاله العديد من المحللين الأمريكيين، أحد الأهداف المعلنة هو تغيير سلوك إيران، حيث يبدو أن الولايات المتحدة تهدف إلى شل الحكومة في طهران اقتصاديا بحيث تخضع أو تنفجر، ولكن فكرة أن الضغط سيجعل إيران تنحرف أو تنهار هي فكرة خيالية. وفي الواقع، حسب ما قاله الخبراء، تميل طهران إلى التضاعف عند تطويقها، وكما يتضح من التعبير عن تأييدها لقوات الحرس الثوري بعد تصنيفها من قبل أمريكا كمنظمة إرهابية، ناهيك عن استبدال آية الله خامنئي للجنرال محمد علي جعفري بالجنرال حسين سلامي، المعروف بقدرته القتالية ضد أعداء إيران.
ويبدو أن الهدف الثاني هو إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، إذ زعمت إدارة ترامب مرارا أنها تريد صفقة أفضل، لكن الشروط الموضوعة للتفاوض مع إيران ليست ذات مصداقية، وانما ترقي إلى طلب الاستسلام غير المشروط، وبينما ترفض طهران الاستسلام، تزيد واشنطن من الضغط، وهنا يسأل العديد من المراقبين، لماذا ستعود إيران إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة عندما يكون لديها اتفاق لم تحترمه الولايات المتحدة؟
وأوضح محللون أمريكيون أن الهدف الواضح لحملة الضغط هو استفزاز إيران للانسحاب من الصفقة النووية قبل رفع الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة في تشرين الأول/أكتوبر 2020 وهذا من شأنه أن يثير موجة من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، وبالتالي يتيح الفرصة للولايات المتحدة لتنفيذ رغبة مستشار الأمن القومي، جون بولتون، الذي يدعو صراحة إلى تغيير النظام، والذهاب إلى طريق الحرب مع إيران، وهو ما تريده إسرائيل وبعض دول الخليج. ولكن ما الذي يريده الجمهور الأمريكي؟
سياسة إدارة ترامب في عدم التسامح مطلقا مع العقوبات الأحادية المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، وعدم تمديد الإعفاءات المقدمة لثماني دول، قد تكون مرحلة جديدة في تطبيق العقوبات والجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.
وقد أصدر ترامب إعلانا مشابها في الخريف الماضي، ثم منح إعفاءات للصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وتركيا وتايوان واليونان وإيطاليا، وارتفعت أسواق النفط وتراجعت كرد فعل للأخبار المتغيرة، وكما هو متوقع، ارتفعت أسواق النفط بعد إعلان الإدارة، وكان لاحتمال سحب أكثر من مليون برميل يوميا تأثير فوري.
وعلى الرغم من أن هذا يمثل يمثل حوالي 1 في المئة فقط من التجارة العالمية، وفقا لقراءات العديد من المحللين الاقتصاديين، الا أن النفط يخضع لرافعة أسواق السلع الرئيسية حيث يكون للفائض أو النقص الصغير تأثير كبير.
وقد أدى قرار ترامب إلى مشكلة للرئيس الأمريكي نفسه ولأسواق النفط، على الرغم من قيامه بتجنيد السعودية لزيادة الإنتاج من أجل خفض أسعار البزين للمستهلكين الأمريكيين، وفي الوقت نفسه، أصدر تصاريح وأوامر تنفيذية وتغييرات تنظيمية للقضاء على الاختناقات وزيادة الإنتاج في الولايات المتحدة.
وأوضح محللون أمريكيون أن الضغط بالعقوبات الصارمة على إيران وفنزويلا أسفر عن أغراض متضاربة لتحقيق هذا الهدف، فهذه الإجراءات تميل إلى رفع أسعار البنزين، مما يؤدي إلى ضغوط على الأسواق المستقرة.
هل يستطيع ترامب تحقيق أهدافه المزدوجة المتمثلة في خفض عائدات الجمهورية الإسلامية مع حماية المستهلكين الأمريكيين من ارتفاع الأسعار بينما يسعى العشرات من المنافسين إلى استبداله؟ وهل سيعجل هذا القرار باحتجاجات شبيه باحتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا؟ وهل يستطيع فعل ذلك بدون إطلاق العنان للاستياء الصامت حول العالم؟
الأسئلة الرئيسية ما زالت تدور حول رد فعل الدول المتأثرة بهذا القرار، ومدى العواقب غير المتوقعة، وقد كانت بعض الردود مكتومة إلا أن الصين كانت أكثر حزما، حيث أضافت مخاوف السوق على كومة قابلة للاشتعال من النزاعات التجارية مع الولايات المتحدة، وأكد متحدث رسمي صيني أن تجارتها مع إيران قانونية وطويلة الأجل، ووصف الإجراءات بطريقة تعبر عن الرفض.
وتحدث عدد من المراقبين الأمريكيين عن صدى العقوبات الإيرانية – الليبية، التي فرضتها الولايات المتحدة عام 1996 ورد الفعل القوي من الحلفاء الأوروبيين.
والقطاع المصرفي من جهته تعلم بطريقة صعبة ضرورة احترام هذه العقوبات، خاصة بعد أن وافق بنك ستاندرد تشارترد مؤخرا على دفع غرامة بقيمة 1.1 مليار دولار نتيجة انتهاك العقوبات الإيرانية.
وقال محللون إن هذه الإجراءات غالبا ما تؤدي إلى عواقب غير مقصودة، وأحد الاحتمالات هو أن الولايات المتحدة ومنظمة الدول المصدرة للنفط قد تجد نفسها في سباق لمواجهة أي نقص، الأمر الذي يكسر اتفاقات الإنتاج الأخيرة ويدفع أسعار النفط إلى الانخفاض بحدة.
هناك تعبير شائع يقول “لا تحاول شرح أي شيء معقد في الشرق الأوسط دون استخدام نظرية المؤامرة” ومما لا شك فيه، حسب ما ذكره المحلل وليام أرنولد، استاذ إدارة الطاقة في جامعة رايس، أن هذا الإجراء سيوفر مواد جديدة، وستبذل الحكومة الإيرانية قصارى جهدها لإذكاء المشاعر المعادية لأمريكا في منطقة متقلبة.
النتيجة الصافية لسياسات إدارة ترامب هي عكس ما تريده الولايات المتحدة وحلفاؤها، عند مواجهة تهديد خارجي سيتحد الإيرانيون حول حكومتهم، فقد انهار الجدل بشأن إشراك الغرب في إيران، وتم اضعاف الحكومة التي تفاوضت على الاتفاق النووي، وأصبحت هناك ثقة أكثر بالمجموعات التي قالت مرارا بإنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة.
وعلى الرغم من مزاعم إدارة ترامب بأنها تقف مع الشعب الإيراني، إلا أن إنهاء إعفاءات النفط سوف تؤثر بشكل مباشر على رفاههم، مثل هذه التحركات لزيادة الضغط الأمريكي على إيران تبدو مصممة لإجبار إيران على الاستسلام أو الانهيار، أنه كتاب تم استخدامه من قبل، في العراق، بنتائج مأساوية.