بداية هناك بعض النقاط المهمة التي يجب توضيحها:
– إيران بلد حضارة يرجع تاريخها إلى آلاف السنين، وقد سبب ذلك وحدة ولحمة اجتماعية قوية أمام الأجانب.
– أدى مسار التطورات التاريخية في إيران إلى ظهور مختلف الجماعات الإسلامية والغربية والتقليدية وما يسمى بإيديولوجية إحياء الماضي، ولكنهم يتحدون في وطنيتهم، ويمكن القول إن اختلافهم ينحصر في كيفية رعاية وحفظ مصالح بلدهم. فبعضهم يقول إن إيران بلد ضعيف ولا يمكنه الحفاظ على مصالحه إلا بمساعدة قوة كبرى والبعض الآخر يرى أن إيران لا تحتاج مساعدة الغير، بل يمكنها الحفاظ على مصالحها بمساعدة الأصدقاء (أو أعداء أعداء البلد). وقد رأينا خلال السنين الماضية نشاطا وحضورا واضحا للتيارين في المجاميع والمؤسسات والمناسبات الدولية.
في هذه المرحلة يعتبر حسن روحاني رئيس الجمهورية الإيرانية أبرز شخصيات التيار الأول والجنرال قاسم سليماني قائد قوات القدس في الحرس الثوري أبرز شخصية في التيار الثاني.
التيار الأول ترك الدول المجاورة وفاوض الغرب وأمريكا ليستطيع أخذ حقوق إيران في إطار اتفاقية دولية، ونتيجة لهذه الاتفاقية أخذت إيران قسما بسيطا من حقوقها ومصالحها في بداية تنفيذها، وبعد ذلك فاجأت أمريكا أطراف الاتفاق وخرجت منه، بحيث اشتكى روحاني مرات عديدة من خذلان أمريكا.
أما التيار الثاني فاستطاع الدخول إلى دول الجوار بتنسيق مع حكوماتها ومشاركتهم الحرب وتأسيس علاقة معهم. سيما أن المرشد الأعلى والجنرال سليماني يعتبران قيادات العراق وسوريا ولبنان وشعوبهم إخوانهم في الدين.
– كانت إيران منذ تشكيل الجمهورية الإسلامية في السنوات الـ41 الماضية ضحية دائمة للعقوبات، وعلى غرار العقوبات المعطلة التي يتم الحديث عنها الآن، تم تنفيذ عقوبات مشابهة أيضًا خلال رئاسة أحمدي نجاد قبل 7 سنوات. لذلك لا تواجه إيران وضعا استثنائيا، وقد تزيد هذه التجارب من الاستعداد والقدرة على التعامل مع المشاكل المماثلة.
– لا تسعى إيران للحصول على قنبلة ذرية، لأنها بدون هذا السلاح سارت في طريق القوة والغرب يدرك هذا.
وبعد بيان النقاط الثلاث ما هي آليات إيران لمواجهة المشاكل الناتجة عن خروج أمريكا من الاتفاق النووي:
– الاتكاء على نقاط القوة الذاتية والاقتصاد الإنتاجي: كرر المرشد الأعلى في خطاباته طيلة السنين الماضية وخاصة بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي على ازدهار الإنتاج والاعتماد على القدرات الداخلية، وفي الظروف الحالية يمكن توفير أغلب ما يحتاجه الشعب الإيراني إذا تطور الإنتاج الداخلي.
– تطوير التعاون مع الجيران والحلفاء بشكل المقايضة واتفاقيات أخرى لا تشملها العقوبات. وبالتأكيد ستلعب دول مثل العراق وروسيا، دورها في مصلحة إيران في هذا المجال. بالإضافة إلى هاتين الدولتين، ستواصل بلدان أخرى مثل تركيا والصين وباكستان وقطر وحتى الهند، في أسوأ الأحوال، تحقيق توازن في القوة وستختار طريقا يحافظ على كل من علاقاتها مع إيران والابتعاد عن التصادم المباشر مع أمريكا. ويعتقد بعض المحللين أن وجود الولايات المتحدة في المنطقة ضد الوجود الإيراني، انفعالي وضعيف وإن إيران تمكنت من تثبيت وجودها في إطار قانوني في شكل تعاون ودّي وخلقت جبهة قوية للمقاومة.
– المقاومة الاجتماعية والسيادة: الدولة الإيرانية تؤمن بمقاومة السياسات العدوانية للولايات المتحدة وحلفاءها في تقويض حقوق إيران، وفي الواقع فإن كلا من التيارين المذكورين في المقدمة يؤمنان بالحفاظ على المصالح. وأما بعد تجربة الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية النووية، بدأ التيار الأول إضافة إلى التيار الثاني الحديث عن عدم امكان الثقة بأمريكا والحاجة الماسة لمقاومتها. والموقف نفسه شاع بين الناس، فالأشخاص الذين زعموا أن العقوبات كانت ناجمة عن عدم وجود حوار مع الحكومات الغربية، وكان سبب عدائهم لنا هتافات مثل الموت لأمريكا، أدركوا اليوم أن المشكلة ليست في الحوار والتفاوض. ولهذا السبب تنجذب وجهة نظر الشعب أيضا إلى الحاجة الماسة لمقاومة الولايات المتحدة، بحيث عندما تتحدث الولايات المتحدة عن منظمة الحرس الثوري الإسلامي وتتهمها بأنها إرهابية ارتدى أكثر الناس انتقادا لهم الزي الرسمي للحرس الثوري إعلانا للتضامن معهم أمام الاتهامات الأمريكية.
وفقًا لما قيل، فإن وضع إيران الحالي لا يختلف كثيرا من الناحية الاقتصادية عن وضعها في حال انسحبت من الاتفاق. لن تنسحب إيران من هذا الاتفاق، لكنها ستعالج المشاكل الناتجة عنه.