المساعدة بروح ملائكية في «آموك، سعار الحب» لستيفان زفايغ

حجم الخط
0

حين يتملكك انجذاب ونفور معا، حين يتملكك وضوح وغموض معا، حين يتملكك الكبرياء والحب معا، حين تغدو روحك خميرة معجونة من تناقضات لاهبة مع بعضها وحارقة، في ما لو كانت لوحدها، حينذاك تكون في وجهة لا تدركها، تكون في حالة سعار لكل الحياة في داخلك، وتكون كل الأفاق على خط النظر أمامك بوصلة إحساس يقودك بحدود وبدون حدود، بخذلان وندم وبنقاء، وفي النهاية لن يكون هناك وصول، وإنما فجيعة ما عشت، ما رغبت، ما أردت، ما نويت، وما حدث.
«آموك، سعار الحب» رواية ستيفان زفايغ هي هذا كله بعد سبعة سنين من انتظار بطله «في الحقيقة لم أكن أفعل شيئا غير الانتظار»، هذا ما يقوله لسارد الرواية، سبعة سنين يعيش فيها مع الغرباء والحيوانات في الشرق الأدنى، وحين يكون في متاهة نسيان الكلام بأريحية نتيجة ذلك، ينفجر دفعة واحدة وبصوت: «أجش وقاس كما لو كان صدئا» يسرد ويترجم ملامح وجهه الذي بدا «مضطرما بفظاعة وكئيبا مثل وجه قزم» حين كان في انتظاره ونسيانه أنه إنسان يحاكي بشرا مثله، وبكل ما في الفجاءة من معنى ومنحى ولجت إلى قوقعته امرأة رأى فيها «وجها مصقولا حادا منهكا، وجميلا جمالا أبديا، عينين رماديتين، مثل عيون الإنكليزيين، يبدو كل شي فيهما هادئا، وخلفهما يمكنك أن تحلم بكل الأهواء» لتفجر فيه هذه المرأة ذاك الحنين المحموم والهذيان الشرس والمنهك الذي يجتاح المرء ويغيبه عن الوعي أحيانا، فتطلب منه المساعدة كطبيب للتخلص من أثر بذور عاشق في داخلها بدون تصريح، وإنما كتلميح لا يمر على طبيب متمرس قد مرّ عليه الكثير من هذه الحالات، إلا أنها تطلب باستعلاء، لتولد في داخل الطبيب رد فعل ليس أقل استعلاء من طلبها، بأن خلقت في داخله كيفية كسر كبريائها وعدم تلبية مساعدتها بدون توسلها إليه.
هي « تبدي طلبها كما لو كانت تحمل سكينا»، وهو «كل ما كنت أريده تحطيم كبريائها وتمكين الرجل الذي في داخلي من السيطرة عليها».

استمد زفايغ عنوان روايته «آموك» كحالة روحية وليس كمرض دخلها الطبيب وهي: «أكثر من السكر إنه نوع من الجنون نوع من السعار البشري».

زفايغ المتعمق في ما يجول في دواخل الإنسان المتشرب من جنون الناس في ذلك الشرق، حين عاشرهم في سفرة ما، يحول استعلاء المرأة واستعلاء الطبيب إلى نار تحرق وتستعر داخل الاثنين، المرأة للتخلص من سرها والطبيب في ندمه عدم تقديم المساعدة لها، من هنا تبدأ مرحلة العذاب والسعار في المضي بدون وجهة وبدون وقوف أي شيء أمام غايتهما، الطبيب نادما يلاحق المرأة وفي داخله لم يتبق سوى أن يساعدها، وكأنه حب تمكن من جميع حواسه واشتبك في روحه وهو يردد: «يجب على المرء تقديم المساعدة، تقديم المساعدة بروح ملائكية» نسي دخولها عليه وهي تحتقره، نسي وقاحتها في شرائها له بسعر حددته هي، بدون أي أخذ بعين الاعتبار لما يراه هو، فقط ما تملكه الآن هو أن يساعدها، وفقط أن يساعدها وهو لاهث وراءها إلى حيث تقيم ويستعلم كل أخبار حياتها ويتجرأ في الوصول إلى بيتها بدون أن يتلقى أي تجاوب في قبول خدمته لمساعدتها، رغم أنه يقول للسارد: «كنت واعيا بكل ما أفعله وبأنه بلا معنى، لكن بدون أن تكون لي سلطة على ذاتي، ولم أعد أفهم ما أريده بالضبط، لم أكن أفعل شيئا غير الركض إلى الأمام مهووسا بهدفي».
ومن هذه الحالة استمد زفايغ عنوان روايته «آموك» كحالة روحية وليس كمرض دخلها الطبيب وهي: «أكثر من السكر إنه نوع من الجنون نوع من السعار البشري».
النار المشتعلة داخل الطبيب والتي حطبها فقط كيفية مساعدة هذه المرأة، التي أوصلته بعد ندمه إلى أنه يجب أن نساعد الآخرين حين نحس فقط بدون انتظار طلب منهم، لقد تمكنت هذه الرغبة الجامحة في مساعدة المرأة، التي اجتاحته لدرجة الجنون أنه يقول: «كنت مستعدا لارتكاب جريمة أو أقتل أحدهم مقابل التمكن من مساعدتها». لقد تحول الطبيب إلى آموك: «الرجل الشجاع والوديع أيما وداعة، جالسا يحتسي مشروبه السحري، إنه هنا جامد في مكانه يجلس لا مباليا، بلا طاقة، فجأة، يثب يأخذ خنجره ويهرول إلى الطريق ويركض إلى الأمام مباشرة إلى الأمام دائما، بدون أن يعرف إلى أين، إلى أن يصرع كما لو كان كلبا مسعورا منهارا مزبدا لحظة نحبه».
حين لا يلقى سعاره أي صدى، وكفرصة أخيرة في بعث رسالة لها، يحول فوهة مسدسه إلى رأسه إن هي رفضت مساعدته، لكنها، بالفعل رفضت حين سلمت نفسها واحتراما لكبريائها إلى إحدى النسوة غير المختصات في نزع الجنين الغريب عن زوجها بطريقة بدائية، ترميها بين الحياة والموت، بينهما يتدخل الوجع في استدعاء الطبيب، الذي في لحظة سباقها من الحياة إلى الموت نسي كل شيء وعاد طبيبا فقط لينقذها، لكنه فقط تمكن من تخفيف وجع نزيفها واختزن طلب تنازلها عن كبريائها مع حياتها بمصونية سرها، عندها فقط يدرك أنه مازال في استطاعته مساعدتها حين أجبر الطبيـــب المشرف المسؤول بأنها ماتت كحالة طبيعية، بدون تصديق الزوج الذي أراد السفر بها مع تابوتها للتأكد من قصة موتها، ليلاحقها الطبيب بسعاره وليغرق هو نفسه مع تابوتها وبالتالي يغرق سرها وليقنع نفسه أنه ساعدها بروح ملائكية، وعندها يخمد صاحب « فوضى الأحاسيس» النار المستعرة في دواخل أبطاله بتحليق أجنحة الروح إلى ما كانت تهدف إليه، بدون الوقوف أو الرضوخ أو العودة، وإنما فقط أمام
سعار الحب بأشكال غير حب العشاق، وإنما لتغدو آموك حالة شغف ورغبة، لا مرضا علميا، حالة شغف نحو نبل المساعدة، بدون انتظار، حتى بدون ندم في الانجذاب الغامض إليه وإن كان آخر سبلها النهائية الموت ذاته.

الكتاب: «آموك سعار الحب»- الكاتب: ستيفان زفايغ- ترجمة: ناظم بن إبراهيم
الناشر: مسكلياني للنسر والتوزيع ط1 2018-

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية