في عقودها الأولى، كانت علاقات إسرائيل مع العالم العربي في نزاع دموي عقب الرفض العربي للتسليم بوجودها وبسبب اعتبارها فرعاً أو معقلاً للعالم الغربي في قلب الشرق الأوسط. فقد عارضت الدول العربية مشروع التقسيم في تشرين الثاني 1947، وما إن قامت دولة إسرائيل حتى اجتاحت أراضيها في محاولة لإحباط قيامها. ومنذئذ، وعلى مدى سنوات طويلة، وقفت إسرائيل ضعيفة ومنعزلة أمام مجال معاد يسعى لإبادتها. وألقى كثيرون في العالم على إسرائيل مسؤولية النزاع مع جيرانها، وسعوا لأن يروا في هذا النزاع السبب المركزي لعدم الاستقرار الإقليمي، بل والضائقة والظلم اللذين أديا إلى ظهور الإرهاب الإسلامي الذي سرعان ما انتشر إلى أرجاء العالم.
غير أنه في خلفية الأمور جرى تحول دراماتيكي؛ فبعد سبعة عقود من قيامها، باتت إسرائيل لاعبة إقليمية ذات قوة ومكانة، والأهم من ذلك ـ دولة مقبولة وشرعية بل وحليفة مرغوب فيها في نظر المجال العربي. تقيم إسرائيل اليوم علاقات سلام مع جزء من جيرانها، بل وأقامت تعاوناً استراتيجياً، مثابة حلف غير معلن، ولا سيما في شؤون الأمن، وكذلك في الاقتصاد مع دول عربية أخرى.
يأتي هذا التحول نتيجة تعزز المكانة الإقليمية والدولية لإسرائيل، وتحديداً تعاظمها الاقتصادي والعسكري من الداخل، ولكن فيه ما يعكس الوجه المتغير للشرق الأوسط، ولا سيما أفول القومية العربية وضعف الدول العربية حيال تعاظم إيران وتركيا. فالظل المهدد لطهران وكذا التحدي التركي يدفعان إسرائيل والدول العربية إلى التعاون. فبعد كل شيء، في ضوء انسحاب واشنطن من المنطقة، بقيت إسرائيل في رأس جبهة الصراع ضد إيران. فالتصميم الذي أبدته تجاه جهود التوسع الإقليمي وتثبيت تواجد طهران في سوريا أضاف لإسرائيل النقاط في نظر جيرانها العربيات، ولا سيما دول الخليج التي تشعر بأنها مهددة من آيات الله.
من دولة منعزلة في الشرق الأوسط إلى محور للتحالفات!
تدفع هذه الميول المسألة الفلسطينية عن مقدمة المنصة، وقد كانت تعتبر دوماً عائقاً أمام كل محاولة للتقدم في علاقات إسرائيل والدول العربية. والحقيقة هي أن هذه المسألة لا تزال ذات أهمية بل ولعلها السقف الزجاجي في المساعي لإقامة علاقات سلمية دافئة بين إسرائيل وجيرانها. ولكن الأنظمة في الدول العربية نجحت في المناورة بين التزام شعوبها بمصير الفلسطينيين والمصلحة التي تدفع دولها لأن تحسن العلاقات مع إسرائيل.
إن التحالف بين إسرائيل وجيرانها يتركز اليوم على التهديد الإيراني، ولكنه كفيل بأن يتسع إلى أكثر من ذلك بكثير. لإسرائيل والعرب مصالح مشتركة عديدة، مثل مكافحة الإسلام المتطرف أو تطوير اقتصاد المنطقة. والتعاون الأمني لإسرائيل مع اليونان وقبرص، وتثبيت العلاقة الاقتصادية مع هذه الدول ومع مصر، تشهد على القدرة لتوسيع منظومة العلاقات والتحالفات إلى ما أبعد من المسائل الاستراتيجية بل وأبعد من المجال الشرق أوسطي.
تعمل إسرائيل أيضاً على تطوير علاقاتها مع دول في مركز آسيا، مثل أذربيجان، ومع دول في القارة السوداء، منها أثيوبيا، وكينيا، وتشاد، وغيرها، غير أن «تحالف المحيط» المتجدد هذا يختلف جوهرياً عن التحالفات التي أقامتها إسرائيل في أواخر الخمسينيات مع إيران وتركيا في مواجهة ناصر. إسرائيل، هذه المرة، هي المحور الذي تدور من حوله منظومة التحالفات.
تعبر عن الميول عن تحول إسرائيل من لاعبة هامشية وضعيفة، منبوذة في نظر العالم العربي، إلى دولة قوية وحليفة مرغوب فيها. هذه أيضاً من مزايا يوم الاستقلال الـ 71 لإسرائيل.
ايال زيسر
إسرائيل اليوم 5/5/2019