حتى الآن، كانت الفكرة الإسرائيلية عن الحكم في قطاع غزة واضحة: حماس صاحبة السيادة، والمسؤولة، والحكم المركزي، بوسعها أن تفرض إمرتها على باقي الفصائل ومحافل الإرهاب، وعلى رأسها الجهاد الإسلامي. أما الآن فهذه الفكرة تخضع لإعادة النظر. في إسرائيل يخشون من أن تفقد حماس السيطرة على ما يجري، وتصبح غير قادرة على فرض إمرتها على الجهاد الإسلامي وليست صاحبة السيادة بكل معنى الكلمة. في هذه المرحلة، لم يجد هذا التقدير مكانة رسمية بعد، ولكنه يصل أكثر فأكثر، ولا سيما في ضوء ما يحصل في الأيام الأخيرة.
«هم متوحشون، عصبة من المجانين»، قال مصدر إسرائيلي كبير عن رجال الجهاد الإسلامي. أما للآخرين فثمة تفسير آخر: الجهاد ببساطة يعمل ببعد آخر ويتلقى تعليمات من مكان آخر: طهران. زياد نخالة، زعيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني، يتنقل بين سوريا ولبنان ويعيش في مناطق السيطرة الإيرانية. الجهاد هو ضمن اللوائح المالية الإيرانية الآخذة في التقلص، وهو قريب من طاولة آيات الله الضيقة. كلما اشتد الضغط على إيران من جانب الولايات المتحدة، تشدد إيران الضغط على لجهاد الإسلامي كي يشعل الساحة الخلفية لدونالد ترامب، أي نحن.
أمس في الليل، بالتوازي مع إطلاق الصواريخ وغارات سلاح الجو، لعب الطرفان القمار الواحد مع الآخر. بدلاً من التهدئة، رفع الطرفان مبلغ الرهان الذي في الصندوق بوتيرة إجرامية. إسرائيل تكبدت أربعة قتلى، مبان انهارت في غزة كأبراج الورق والكل هدد الكل بأنه حالاً وفوراً، على التو، سنخرج إلى حرب إبادة. جهاد حتى النصر.
لقد كان التحذير الإسرائيلي، الذي أطلق ببوق مصري، واضحاً: إذا لم تنجح حماس في لجم الجهاد في اليوم القادم، سيصبح الوضع لا مرد له. إذا تضرر الايروفزيون أو ألغي، ستنزع القفازات والقيود وسيستغل نتنياهو حقيقة أنه انتخب لتوه كي يفعل ما وعد به في 2009، ولم يفِ به. ليس واضحاً كم صدق الطرف الآخر هذا التحذير، أساساً لأنهم ردوا عليه في تحذيرات من جانبهم.
حين يتلقّى الجهاد الإسلامي تعليماته من طهران
وبالنسبة للايروفزيون: «تطرق وزراء إسرائيليون أمس باستخفاف للحدث كعامل ما في الوضع الحالي. والأكثر سخفاً من الجميع، وكالمعتاد تقريباً، كان «وزير العلوم» اوفير اكونيس. فمن نبرة حديثه كان يمكن أن نأخذ الانطباع بأن الايروفزيون هو حملة خاصة لالداد كوبلنتس، شيء ما يعود للهيئة، التي سنغلقها فورا وعلى التو على أي حال.
اكونيس، مثلما هو دوماً، يخطئ خطأ جسيماً. فإلغاء الايروفزيون أكثر من كارثة. فليسأل يريف لفين، وزير الدفاع النشط والناجح ماذا سيفعل هذا بسمعة إسرائيل في العالم وماذا سيفعل بالساحة. فيسأل بلدية تل أبيب، الغارقة في هذه القصة حتى الرقبة. إلغاء الايروفزيون بسبب صواريخ تطلقها منظمة إرهابية نحو تل أبيب سيحافظ على إحساس الأمن النسبي، سيلغي إحساس الطبيعة النسبية التي نتصرف فيها هنا، سيصبح علامة تاريخية تجسد ما هو محظور الاقتراب منه. سيكون من الصعب على إسرائيل أن تستضيف أحداثاً دولية وترمم صورتها. سيكون هذا بكاء للأجيال. في الكابينت يعرفون هذا على نحو ممتاز. ولشدة الأسف، في غزة أيضاً.
إن الليلة التي سبقت نشر هذا المقال تلوح كليلة حاسمة. «صباح غد سنعرف إلى أين يتجه هذا»، قال أمس أحد أصحاب القرار. وتيرة التدهور حتى الآن كانت نفاثة. العصا في الطرفين كانت واهنة والآليات التي يفترض أن تبرد اللهيب لا تكاد تكون موجودة. المصريون يجرون الأرجل، الأمريكيون غير معنيين، الأوروبيون يائسون، وهذا يتركنا معاً هم ونحن.
بن كسبيت
معاريف 6/5/2019