حرب غزة… مساومة مسلحة على شروط التسهيلات!

حجم الخط
0

في إسرائيل استعدوا صباح أمس لإنهاء جولة اللكمات العسكرية في القطاع. ولكن مثلما يحدث غالباً في المعارك ضد الفلسطينيين فإن اتجاه التطورات أُملي على يد عدد المصابين. بعد أربعة قتلى مدنيين في الطرف الإسرائيلي خلال أقل من يوم، تم توسيع حجم هجمات سلاح الجو في القطاع وشملت للمرة الأولى منذ خمس سنوات اغتيال نشيط من حماس. والفلسطينيون رفعوا العيار. النتيجة هي يوم القتال الأصعب منذ انتهاء عملية الجرف الصامد في صيف 2014، حيث إن قوة الوسائل التي يستخدمها الطرفان تزيد من ساعة إلى أخرى. إذا لم تحقق الجهود المصرية لوقف إطلاق النار نتائج فإن المواجهات يمكن أن تستمر لبضعة أيام قادمة وربما تزداد شدة.
الآن إسرائيل وحماس في لعبة على الوقت: هل المواجهة الحالية ستنتهي قبل بداية شهر رمضان هذه الليلة، وقبل أيام من الذكرى والاستقلال في وقت لاحق من هذا الأسبوع، أو قبل مسابقة الاورفزيون في الأسبوع القادم؟ يفضل ألا نتأثر من تقديرات وزراء وأعضاء كنيست بخصوص الاورفزيون، دون علاقة مع تقديرات بدون علاقة مع القيمة الفنية للمسابقة. إلغاء المنافسة سيشكل ضربة شديدة لصورة إسرائيل وسيصعّب إقامة احتفالات دولية كبيرة هنا مستقبلاً. بخصوص يوم الذكرى ويوم الاستقلال في الجيش يعتقدون أنه عند الحاجة يجب دراسة تأجيلها لعدة أسابيع من أجل عدم إجرائها تحت إطلاق النار في جنوب البلاد. مصلحة الطرفين الأساسية بقيت كما هي، ويبدو أن زعماء إسرائيل وحماس غير معنيتين الآن بحرب، ولكن ديناميكية المواجهة تعمل ساعات إضافية وتذكر بالأيام بين اختطاف الفتيان الثلاثة في غوش عتصيون وقتلهم وبداية الجرف الصامد.
إطلاق نار القناصة الفلسطينيين يوم الجمعة أدى إلى هجوم جوي إسرائيلي الذي قتل فيه رجال حماس؛ الفلسطينيون ردوا أمس واليوم بإطلاق قذائف كثيف وإطلاق صواريخ مضادة للدروع وقتلوا إسرائيليين؛ والجيش الإسرائيلي رد ودمر من الجو أبراج مكاتب ومصانع إرهابية استخدمت لتخزين الوسائل القتالية. هكذا نشأت جولة مسرعة من الصعب وقفها، التي من شأنها أن تتدهور بدون قصد مسبق أيضاً إلى عملية واسعة.
إطلاق قذائف حماس والجهاد الإسلامي تم بحجم كبير ومدى متوسط ـ اسدود وبئر السبع، لكن في هذه الأثناء لم يصل إلى غوش دان ـ وكخطوة منسقة تقودها غرفة عمليات مشتركة للمنظمتين. قوة النيران زادت بعد أن قام سلاح الجو بمهاجمة عدد من المباني متعددة الطوابق من بينها مبنى معروف في المشهد الغزي الذي يعود لأحد أجهزة استخبارات حماس. في الوقت نفسه عادت حماس، كما في التصعيد الذي حدث في تشرين الثاني الماضي، وأطلقت صاروخاً مضاداً للدروع متطور من نوع «كورنيت» على شارع داخل إسرائيل في حادثة قتل فيها أحد المدنيين.
في جهاز الأمن يقدرون أن هناك إمكانية لإنهاء جولة القتال خلال يوم. إن لم يكن هناك قتلى كثيرون. مصر نقلت رسائل عن رغبة حماس في إنهاء المواجهة، لكن إسرائيل لم تسارع بالرد إيجاباً. الهدوء في الطرفين مرتبط ضمن أمور أخرى بضبط الجهاد الإسلامي بأيدي حماس. الجيش الإسرائيلي سجل نجاحات أولى في هذه الأثناء محدودة، بضرب خلايا تعمل في إطلاق القذائف التي يشكل استمرار بقائها النسبي بؤرة للإحباط الإسرائيلي منذ بضع سنوات. في ساعات ما بعد الظهيرة قتل رجل حماس في عملية «تصفية مركزة» لسلاح الجو. وفي هذه الحادثة من الأفضل الانتظار لاحتفال منح الأوسمة. الحديث يدور عن رجل مال مسؤول عن توزيع الأموال المحولة من إيران. سيكون لهذا بالتأكيد تداعيات عملياتية محددة على أداء الذراع العسكري، لكن الجيش الإسرائيلي والشاباك في نهاية المطاف قاموا بتصفية صراف وربما أمين صندوق. يمكن الافتراض أن هذا يتعلق أيضاً بحقيقة أن زعماء كباراً وعسكريين في المنظمة كانوا أكثر تجربة كي ينزلوا تحت الأرض عندما بدأ التصعيد. رئيس الأركان افيف كوخافي وجه اليوم لقتل نشطاء إرهاب بثمن مخاطرة أكبر بالمس بالسكان المدنيين.

الصدوع في سياسة الفصل

منذ يوم الجمعة الماضي اختفى وصمت كل من رئيس الحكومة والمتحدثين باسمه ووزرائه. أطلق بنيامين نتنياهو هذا الصباح تصريحاً قصيراً في بداية جلسة الحكومة («سنواصل الهجمات المكثفة»)، لكن باستثناء ذلك نحافظ في هذه الأثناء على الصمت. الحسابات النشيطة للمتحدثين في الشبكات الاجتماعية خاوية مثل المركز التجاري لشارع تحت القصف، وفقط هنا وهناك يتجول ممثل منفرد للحكومة في الاستوديوهات.
ولكن خلافاً للادعاءات التي تسمع، فلنتنياهو استراتيجية واضحة في الساحة الفلسطينية، ببساطة لا يشرحها مباشرة. في غزة، لا تسعى إسرائيل إلى حرب، لكنها تريد إملاء وضع تكون فيه حماس ضعيفة ولكن لا يسقط حكمها؛ في الضفة الغربية الحكومة تعمل كل ما في وسعها بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية من أجل المس بمكانة السلطة الفلسطينية. لهذه السياسة ثمن أيضاً.
خلال اليوم عزز الجيش الإسرائيلي قواته في منطقة القطاع: اللواء السابع في سلاح المدرعات وفي أعقابه لواء غولاني، تم إرسالهم إلى الجنوب؛ لواء المظليين النظاميين وضع في حالة تأهب. تجنيد الاحتياط الذي تم حتى الآن قليل نسبياً ويتركز في الأنظمة المطلوب تعزيزها وعلى رأسها الدفاع الجوي وقيادة الجبهة الداخلية. وفي جولة التصعيد نهاية آذار عشية الانتخابات للكنيست اتخذت خطوات مشابهة، ولكن القوات لم تفعّل. هذه المرة، في الوقت الحالي، طبيعة الاستعداد لا تبدو مركزة أو هجومية بشكل خاص.
ما يجري هنا بالأساس هو مفاوضات مسلحة على شروط التسهيلات. حماس لم تتلق من إسرائيل في الوقت المحدد الطلبات المتواضعة التي وضعتها أمامها والتي حسب رأيها تعهدت بها: إرسال الأموال من قطر، الذي يتأخر جزئياً بسبب مشكلات بيروقراطية، وتسهيلات الحركة في المعابر وتحسين فوري في شبكة الكهرباء في غزة. الضغط يزداد بسبب دخول شهر رمضان، وفي المقابل حساسية إسرائيل للأعياد ومسابقة الاورفزيون بدون إزعاج. رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، قال اليوم إن «رد الفصائل مرتبط بمستوى العدوان الإسرائيلي، وإعادة التهدئة ترتبط بدرجة التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار».
كل شيء تم كاستمرار مباشر لأحداث هذه السنة، وبدرجة ما السنوات الأخيرة، بواسطة مظاهرات الجمهور على طول الجدار وضعت حماس تحدياً أمام إسرائيل، وهذه ما زالت تجد صعوبة في التغلب عليه. الجيش الإسرائيلي نجح في منع اختراق جماهيري لأراضي البلاد، لكن المصابين الفلسطينيين الكثيرين يجرون توتراً دائماً وفي كل مرة يؤدي هذا الأمر إلى إطلاق الصواريخ، وتحديداً عندما يزيد الضغط الاقتصادي الداخلي في القطاع. كالعادة، الأمل هو أن تنجح وساطة مصر من إنزال الطرفين من مواقعهما القتالية. ولكن مع مرور الوقت يكتشفون في الطرف الإسرائيلي أنه رغم التعزز الواضح للعلاقات بين الدولتين، إلا أن القاهرة تتصرف في المفاوضات حسب أجندة خاصة بها.
إن فحصاً بأثر رجعي للمفاوضات من أجل إنهاء عملية «الجرف الصامد» كشف أن الاعتماد على الوساطة المصرية كان مبالغاً فيه إلى درجة ما، وأنه في عدد من الحالات بالتحديد قطر كانت هي القادرة على توفير البضاعة. الآن الوضع أفضل بقليل لأن من يقود الاتصالات هو رئيس المخابرات المصرية عباس كامل، الذي يعزز قربه من الرئيس عبد الفتاح السيسي مكانته وقدرته على الوفاء بتعهداته. في هذه الأثناء رؤساء حماس والجهاد الإسلامي موجودون في القاهرة من أجل إجراء محادثات مع المصريين، هذا مريح بالنسبة لإسرائيل لأنهم بذلك لا يمكنهم أن يتجاهلوا صورة الاتصالات.
في الخلفية من المهم التذكير في كل مرة بالضفة الغربية، سياسة التفريق لنتنياهو لا تنجح في أن تفصل تماماً بين الساحتين. كانت تلك هي العقوبات الاقتصادية التي اتبعتها السلطة الفلسطينية تجاه غزة هي التي دفعت حماس في البداية إلى الحائط وأدت إلى بداية المظاهرات في السنة الماضية. الآن، الضفة منشغلة بشؤونها وبالاستعداد لشهر رمضان. سكانها لا يظهرون أي تماه خاص مع ضائقة أخوتهم في غزة. قبيل الصيف وعلى خلفية الضغط الاقتصادي الذي تستخدمه إسرائيل وأمريكا، فإن الأزمة حول أموال السجناء ومخاوف الفلسطينيين من خطة ترامب للسلام، والضفة أيضاً، ستتحول إلى ساحة متوترة أكثر من العادة.

عاموس هرئيل
هآرتس 6/5/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية