إسطنبول ـ «القدس العربي»: عاد إلى الواجهة مجدداً وبقوة الصراع الإقليمي على الغاز في البحر الأبيض المتوسط، وسط تصدر مصري لافت للجهود التركية للتنقيب عن الغاز وتهديد تركي بحماية سفينة التنقيب عسكرياً، ومواقف أوروبية أمريكية تحذر أنقرة من مواصلة عمليات التنقيب، في مشهد يعيد شبح إمكانية حدوث مواجهة عسكرية على حقول الغاز التي تحولت إلى حقول ألغام.
وتقول مصادر تركية إن سفينة «الفاتح» التركية للتنقيب و3 سفن مساندة لوجستية سوف تبدأ قريباً بعمليات تنقيب عن الغاز في شرقي البحر المتوسط حتى ديسمبر المقبل، بينما تقول السلطات القبرصية إن هذه المنطقة تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للجزيرة.
ومنذ سنوات، يتصاعد الخلاف بين تركيا من جهة وتحالف «منتدى غاز شرق المتوسط» الذي يضم مصر وإسرائيل وقبرص واليونان من جهة أخرى حول التنقيب عن الموارد الطبيعية، لكن الخلاف انتقل إلى مراحل متقدمة مع بدء تركيا التنقيب عملياً في مناطق متنازع عليها والحديث عن اكتشافات هائلة قبالة مصر وإسرائيل وقبرص.
ولكن تفجر الخلاف مجدداً، منذ أيام، عقب تصريحات لوزير الخارجية التركي أكد فيها أن سفن تركية سوف تباشر التنقيب عن النفط والغاز قرب قبرص «في الأيام المقبلة»، وهو ما أعقبه بياناً للخارجية المصرية حذرت فيه من نوايا البدء في الحفر في منطقة بحرية غربي قبرص.
وجاء في بيان الخارجية الموجه ضد تركيا: «مصر تتابع باهتمام وقلق التطورات الجارية، حول ما أعلن عن نوايا تركيا البدء في أنشطة حفر في منطقة بحرية تقع غرب جمهورية قبرص»، وحذرت الخارجية من «انعكاس أي إجراءات أحادية على الأمن والاستقرار في منطقة شرق المتوسط».
لكن الرد التركي هذه المرة جاء على لسان وزير الدفاع، خلوصي أكار، الذي أكد عزم بلاده «حماية حقوقها في شرقي البحر المتوسط وبحر إيجه»، وقال: «تركيا مصممة على الدفاع عن حقوق القبارصة الأتراك بصفتها دولة ضامنة، وعدم السماح بفرض أمر واقع»، وشدد على أن «تركيا لن تغض النظر حيال محاولات اغتصاب الحقوق في المنطقة».
الاتحاد الأوروبي: سنرد على أي عمل غير قانوني بشكل ملائم
إلى ذلك، طالبت اليونان تركيا بالوقف الفوري لأي أنشطة حفر في المنطقة ووصفتها بغير القانونية، فيما أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه البالغ حيال إعلان تركيا قرب البدء بالتنقيب في تلك المنطقة، وهدد بأنه «سيرد بشكل ملائم على أي عمل غير قانوني لأنقرة».
وقالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني: «ندعو تركيا بإلحاح إلى ضبط النفس واحترام الحقوق السيادية لقبرص في منطقتها الاقتصادية الخالصة، والامتناع عن أي عمل غير قانوني»، وأضافت: «الاتحاد الأوروبي سيرد على أي عمل غير قانوني بشكل ملائم»، في لهجة تهديد غير مسبوقة من الاتحاد. كما أعربت الخارجية الأمريكية عن «قلق بالغ إزاء النوايا المعلنة لتركيا بشأن البدء بعمليات تنقيب عن النفط والغاز في منطقة تعتبرها جمهورية قبرص منطقتها الاقتصادية الخالصة»، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مورغان اورتاغوس إن «هذه الخطوة بالغة الاستفزاز وتهدد بإثارة التوترات في المنطقة. نحض السلطات التركية على وقف هذه العمليات ونشجع جميع الأطراف على ضبط النفس».
ورداً على البيان الأوروبي، قالت الخارجية التركية إنها ترفض ما جاء على لسان موغيريني، مشددة على أن «أنشطة تركيا المتعلقة بالهيدروكربون في منطقة شرق البحر المتوسط، تعتمد على حقوقها المشروعة المنبثقة عن القانون الدولي»، مضيفةً: «كما أكدنا من قبل في مناسبات عديدة.. سنحمي حقوقنا ومصالحنا داخل الجرف القاري، وكذلك حقوق القبارصة الأتراك حول جزيرة قبرص».
و قال الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، أمس، إنه يتوقع من حلف شمال الأطلسي دعم حقوق تركيا في شرق البحر المتوسط، وأضاف: «ننتظر من أصدقائنا في الناتو التصرف بما يتلاءم مع روح الحلف والقيم التي أسس عليها»، وذلك في كلمة له على هامش اجتماع للحلف في تركيا.
وقبل أسابيع، أجرى الجيش التركي مناورات «الوطن الأزرق» التي تعتبر أضخم مناورات بحرية عسكرية في تاريخ الجمهورية التركية، وهو ما اعتبر تصعيداً كبيراً في الخلافات شرقي المتوسط. وعلى هامش المناورات، أكد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، أن «قبرص التركية لها الحق أيضاً في الثروات الطبيعية حول الجزيرة، وأن على الجميع أخذ ذلك بعين الاعتبار».
وتواجه تركيا الداعم الوحيد لـ«جمهورية شمال قبرص التركية» تحالفاً يتنامى بين مصر واليونان وقبرص الرومية يشمل العمل المشترك والتعاون في التنقيب واستخراج النفط والغاز من شرقي المتوسط، وهو التحالف الذي توسع ليشمل جوانب سياسية وعسكرية وأمنية.
وبذلك تصنف تركيا مصر على أنها داعم ومساعد للتحركات اليونانية التي تعتبرها تركيا «تعدياً على حقوق القبارصة الأتراك»، وتهدد على الدوام بأنها «لن تسمح على الإطلاق بالانتقاص من حقوق الأتراك حتى لو أدى ذلك إلى استخدام القوة العسكرية»، وهو ما يزيد من شبح التوتر وربما المواجهة في تلك المنطقة الذي يتزايد كلما اقترب موعد بدء السفن التركية بعمليات التنقيب المقررة خلال الأيام المقبلة.