عداء ايران مضر للعراق

حجم الخط
0

كمال مجيد

لقد عمل الامريكان على تفريق العراقيين قومياً وطائفياً، لاستخدام بعضهم ضد البعض الاخر بغية التأكد من نجاح الاحتلال. ففي مقابلة مع جريدة ‘الحياة’ اللندنية اكد مارتين انديك، مساعد وزيرة الخارجية الامريكية، في 19/12/1998، على ان ‘الحكومة الامريكية تعمل مع الاكراد في الشمال والشيعة في الجنوب على اسقاط نظام صدام حسين’. وكمكافأة لهؤلاء ادخلهم بول بريمر في مجلس الحكم ودربهم على تسيير امور الاحتلال. ومنذ ذلك الحين انشغل هؤلاء بجمع المكاسب السياسية والاقتصادية لأنفسهم. لقد نجح الحزبان الكرديان في تقسيم البلد باعلان الفيدرالية. بينما عمل الشيعة، من امثال الحكيم والمالكي والجعفري، على حشر المرجعية في السياسة. فألح السيستاني، الذي رفض الجنسية العراقية، على اجراء الانتخابات، في ظل الاحتلال، وبسرعة بغية اثبات أن الشيعة يشكلون الاكثرية في العراق.

وكنتيجة حتمية للعدوان رفض البعثيون، خسران السلطة. فقرر المحتلون تأديبهم ثم تأسيس مجالس الصحوة وحشرها في العملية السياسية. ومن الناحية المقابلة تمكن الشيعة من الاستفادة من الطائفيين في ايران عن طريق تشجيع زيارة العتبات المقدسة، لا للطم وحده، بل للسيطرة على الاسس الاقتصادية المرتبطة به. هكذا سيطر اتباع رفسنجاني وموسوي في البازار الايراني على عملية تسفير الزوار وفتح الفنادق والمطاعم والمتاجر المختصة ببيع الهدايا، والحاجيات الاخرى في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء وغيرها. فلم يفقد البعثيون الدولة والنفط فحسب، بل التجارة الداخلية ايضاً. كل هذا ادى الى انشقاقهم وتبعثرهم وتعدد حلولهم للتخلص من طامتهم العظمى.

لقد التمس البعض حكومات السعودية ومصر والاردن، بل واحيانا المفاوضات السرية مع امريكا. كان ذلك حين كانت امريكا واسرائيل من ورائها، مشغولة بمنع ايران من بناء المفاعل النووي او النجاح في توسيع تجارتها مع العراق. لقد قرر جورج بوش تخصيص 300 مليون دولار للدعاية ضد ايران، وقام بتأجيج الشرخ الطائفي، لا في العراق وحده بل في كل المنطقة الاسلامية. لقد بلغت الدعاية ضد ايران حد الرنين، حين زعقت الابواق التلفزيونية الصفراء بأن ايران، لا امريكا، هي التي تحتل العراق، بل تحتل كافة الحقول والقواعد المنتشرة في الخليج ايضا. فبرزت من جديد نظرية ركوب الدبابات الامريكية لتحرير نفط المنطقة من ايران. لقد وصل الحقد أوجه حين طالب البعض، من دون حرج، بانقاذ الملك في البحرين من الاحتلال الصفوي وحماية اسرائيل من هجمات حزب الدعوة وتحرير لبنان من براثنه.

اما القوميون والبعثيون العراقيون فالحوا على وجود حلف مقدس، منذ ايام الشاه، بين اسرائيل وايران وامريكا للسيطرة على العراق وتقسيم خيراته. لقد قدم الحزبان الكرديان واتباع الحكيم الحجة المفيدة لاقناع البسطاء على وجود هذا الحلف. اذ طالب مسعود البارزاني بحق تقرير المصير للاكراد، بيــــنما الح الحكيم على الفيدرالية في الجنوب. كل هذا سهل تركيز البعثيين على اعتبار ايران عدوتهم اللدودة والدعاية ضدها. فما هي حقيقة الوضع في العراق وما هي اضرار مثل هذه الدعاية؟ قبل كل شيء يرفض الشيعة، وهم لا يقلون عن نصف الشعب العراقي، عداء ايران. لهؤلاء علاقات اقتصادية وعائلية ومذهبية مع الشعب الايراني منذ قرون. وهم يعتبرون الهجوم على ايران بمثاية العداء المبطن ضدهم.

ليس هناك اي شعور عند الاكراد ضد ايران وان الفيلية منهم يعتنقون المذهب الشيعي، ثم ان المنطقة الكردية تستورد مختلف المأكولات والمواد الاستهلاكية من ايران، وتصدر اليها عشرات المنتجات، قسم منها بالتهريب، كالنفط والمشروبات الكحولية والسجائر. ولا يعترف الاكراد بأي حدود بين البلدين اذ انتقل الى ايران عشرات الالوف منهم، إما ليستقروا فيها او للانتقال منها الى البلدان الاخرى. ومنذ 1961 وبدء الحرب بين الحزبين الكرديين والحكومات المختلفة في بغداد، ازداد هذا النشاط بصورة واضحة. هذه هي الحالة ايضاً مع التركمان واكثرية هؤلاء هم من الشيعة ايضاً. لقد تم التوقيع، في هذا العام، على الاتفاقية الاقتصادية بين تركيا وايران، التي الغت العقبات الكمركية وتأشيرات السفر بين البلدين، مع رفع كمية التجارة الى ثلاثة اضعاف ما كانت عليه. ومع وجود العلاقات التأريخية بين التركمان وتركيا، حثت الاتفاقية التركمان على التقارب من اخوتهم في اذربيجان الايرانية، الذين يتكلمون نفس اللهجة التركمانية في كركوك. وبلا شك ساعدت هيبة التقارب التركي الايراني على اطمئنان التركمان والعرب في كركوك، وقللت من خوفهم من احتمال سيطرة الحزبين الكرديين على مدينتهم.

يلح البعثيون والقوميون على أن ايران استفادت من الاحتلال الامريكي للعراق فسيطرت على اقتصاده، قبل كل شيء لعب حزب البعث دوراً واضحاً في خلق العداء العنصري ضد ايران، لقد اشعل الحرب ضدها في 22/9/ 1980 بتشجيع من امريكا بغية انقاذ رهائنها الدبلوماسيين. جرى ذلك على الرغم من كون الراحل صدام حسين هو الذي اتفق مع شاه ايران في الجزائر وسلم له نصف شط العرب وعددا كبيرا من القرى على طول الحدود بين البلدين. لا يستطيع البعث تبرئة نفسه من تسليم البلد الى المحتلين الامريكان، خاصة بعد أن خلق العداء عند مختلف اقوام وطبقات الشعب العراقي ضده. الامر الذي نخر قابلية الشعب في الدفاع عن نفسه، بل اعطى البعث الحجة للاحزاب الكردية والطائفية للانحياز الى امريكا ورفع سلاحها لقهر شعبنا. فالحقد العنصري الدفين عند البعثيين ضد ايران له تأريخ دموي معقد وطويل.

اما بخصوص الاقتصاد العراقي، فالمعروف أن قطاع النفط يشكل اكثر من 90′ من الدخل الاجمالي، ويسيطر المحتلون الامريكان على كل هذا القطاع، ثم ان معظم ما تبقى من اقتصادنا، كتوليد الكهرباء واسالة الماء وتصريف المجاري، معطوب وغير صالح للاستغلال، ثم ان الفعاليات الاقتصادية التركية، وخاصة في الشمال، هي اكثر بكثير من الايرانية منها.. فالحرص الكاذب على حماية مصالحنا الوطنية من الذئب الايراني يقتصر على جزء طفيف منها، الا ان حصة الاسد من احتكار الاقتصاد العراقي هي لاسرائيل، فيكشف الصحافي الامريكي وين مادسن في تقريره، الموجود بحوزة الكاتب، تفاصيل ‘مخطط اسرائيل التوسعي الاستيطاني في العراق’ تحقيقاً لحلم ‘اسرائيل الكبرى’. ويلفت النظر الى ‘ان اليهود الاكراد قد غزوا العراق منذ 2003 .. واشتروا الاراضي في محافظتي نينوى ودهوك’. وتعمل اسرائيل على ‘توطين اليهود الاكراد محل الكلدان والآشوريين’، وذلك ‘بقيادة الموساد.. وبعلم الحزبين الكرديين ومسعود البارزاني وجلال الطالباني ومثال الآلوسي وكنعان مكية واحمد الجلبي’، ثم يؤكد التقرير على ‘وجود 185 شخصية اسرائيلية او يهودية امريكية يشرفون، من مقر السفارة الامريكية، على عمل الوزارات والمؤسسات العراقية ـ العسكرية منها والامنية والمدنية…’ وعلى وجود ‘كم كبير من الشركات الاسرائيلية’ في كل انحاء العراق و’تقوم شركة بزان برئاسة يشار مردخاي بعملية تشغيل مصافي النفط.. وشراء النفط من حقول كركوك واقليم كردستان ونقله الى اسرائيل عبر تركيا والاردن’. لقد كان الاجدر بالبعثيين والقوميين أن يركزوا على المنافع الاقتصادية الاسرائيلية في عراقنا العزيز بدل زرع الحقد ضد جارتنا ايران.

يعلم الجميع، بمن في ذلك البعثيون، بأن الحكومات العربية الموالية لأمريكا، بينها تلك المرتبطة دبلوماسياً باسرائيل، ترفض نظرية ‘التحالف الامريكي- الصهيوني- الصفوي’، بل تطالب امريكا، حسب وثائق ويكيليكس، على ‘قطع رأس الافعى الايراني’. وعلى الرغم من الحاح البعث، ليست هناك جهة واحدة تتفق معه على نظرية التحالف المختلقة، للضحك على ذقون البسطاء. حاول الكثيرون، بينهم الكاتب وعلى صفحات ‘القدس العربي’، ارشاد البعثيين الى نقاط ضعفهم بغية حثهم على التركيزعلى النضال ضد الاحتلال الامريكي الذي أضرهم اكثر من غيرهم، الا ان تخندقهم العنصري منعهم من التعلم. لقد آن الاوان لندرك أن اطول حدود للعراق هي مع ايران. فمن الضروري ان نعمل المستحيل لتوثيق العلاقة معها والاستفادة من العمق الايراني لمحاربة المحتلين الامريكان. وبالاعتماد على ما ورد اعلاه هناك الحاجة الى العمل المثابر لنيل رضى جارتنا التي نالت عداء البعث منذ تأسيس جمهوريتها، ان اول عمل ضروري علينا القيام به، في العراق وفي ايران، هو فضح العنصريين المتعصبين عرقـــياً وطائفياً وعزلهم، ذلك لأن تعصــــبهم يضر العراق ويخدم المحتلين الامريكان. هناك الحاجة الماسة الى توحيد السنة والشيعة في بلدينا لمقاومة الاحتلال الامريكي لعراقنا. لكن الهجوم على ايران يعني، بالضرورة، تشجيع النعرة الطائفية ضد الشيــعة فتفريق الشعب بدل توحيده، ثم ان العداء ضد ايران يجعل العراق محاصراً من الشرق والغرب وعلينا ان نعترف بعدم استطاعتنا الحرب على جبهتين. فالاجدر بنا ان نحل التناقضات الثانوية بين الجارتين ونركز على توحيد جهود الشعبين لتكوين جبهة واسعة مع شعوب باكستان وافغانستان وسورية ولبنان وفلسطين لها القدرة على مقاومة عدونا الامريكي وتحرير انفسنا من اضطهاد الاحتلال.’ أكاديمي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية