على امتداد الطرق الموصلة إلى مدينة كربلاء ينتشر العديد من الأبنية التي أصبحت تراثية الآن، والتي تشابهت في بنائها واختلفت في أحجامها واتحدت في أهدافها، حتى لكأنها بنايات انبثقت من الأرض الصحراوية، لتكون مثل الكمأ الذي ينبت كلما اشتد المطر.. أبنية يطلق عليها خانات ومفردها خان، وهي كلمه فارسية معربة كما يقال، أو تركية لها مشابهات في العراق أيام الاحتلال العثماني الطويل، مثل بنزين خانة، التي تعني محطة الوقود وجاي خانة وتعني المقهى، ما يعني أن الخان هو المكان المعلوم الذي تقدم فيه الخدمات.. أو هو مكان مخصص لنزول وسكن التجار وإيواء المسافرين، وهو ما يفسر استخدام الأتراك لهذه الكلمة من معانيها الأخرى الفندق أو النزل.

وقد عرف بناء الخانات في جميع المدن الإسلامية، وكان كل واحد من هذه الخانات مكتمل المرافق ففيه مخازن لإيداع البضائع والأموال، وغرف النوم والراحة، وحمامات الاستحمام، وفيه فرن للخبز، وأماكن للعزاب وأخرى للأسر، ومواضع اسطبلات للدواب، وهذا يعني أنها مركز اقتصادي واجتماعي نشيط، إذ اتسمت الخانات بان لها طابع المراكز التجارية، التي تعقد فيها الصفقات التجارية، كما كانت في الليالي مسرحا لالتقاء التجار القادمين من البلدان البعيدة، حيث يتجاذبون اطراف الحديث عن الحالة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية لبلدانهم، وكانت هذه وسيلة لتبادل الثقافات المختلفة بكل أبعادها.
التاريخ والتشييد
كانت المسافات البعيدة التي تؤدي إلى كربلاء تحتاج إلى بناء مثل أماكن للراحة والمبيت كهذه، فضلا عن الأمور السياسية التي لا تخلو منها مثل أبنية كهذه.. لكن هذه الخانات تكون على نوعين كما يقول الباحث في الآثار حسين ياسر، النوع الأول تلك التي تبنى داخل المدن، وتكون عادة صغيرة الحجم نسبيا. أما النوع الثاني هو ما يسمى بخانات القوافل، التي تبنى عادة على الطرق التي تربط بين المدن المهمة، التي تسلكها القوافل التجارية وقوافل المسافرين والحجاج لغرض الزيارة. ويشير إلى أن العراق فيه العديد من هذه الخانات التي تشبه السلسلة خاصة تلك التي تؤدي إلى العتبات المقدسة، وهي من أكثر الخانات فخامة، من حيث البناء والتجهيزات، وتتميز كذلك بكثرتها، بحيث يستطيع المسافرون التوقف في أحد هذه الخانات المنتشرة على تلك الطرق لغرض الاسترخاء والاستراحة.
من أهم هذه الخانات الموجودة في كربلاء يأتي خان النخيلة، أو ما يطلق عليه باللهجة العراقية (خان الربع) لأنه يقع في ربع المسافة الفاصلة بين النجف وكربلاء، ويقع على مسافة 20 كم إلى الجنوب من مركز مدينة كربلاء.
من أهم هذه الخانات الموجودة في كربلاء يأتي خان النخيلة، أو ما يطلق عليه باللهجة العراقية (خان الربع) لأنه يقع في ربع المسافة الفاصلة بين النجف وكربلاء، ويقع على مسافة 20 كم إلى الجنوب من مركز مدينة كربلاء.. وبعد توسع البناء ومساحة كربلاء صار يبعد 15 كم عن المدينة.. يقول الباحث ياسر إن هذا الخان شيد سنة (1209هـ – 1793 م) وهو ضمن سلسلة من الخانات التي بناها والي بغداد العثماني سليمان باشا الكبير، وجدد بناء الخان في سنة ( 1315هـ – 1897م). ويوضح أن الخان شيد على شكل مربع طول كل ضلع من أضلاعه 86 م يتوسط أضلاعه الأربعة، عدا الشرقي منها، برج دائري الشكل يخرج عن سمت السور أكثر من متر ونصف المتر، وقد أحيط بسور يزيد ارتفاعه على ثمانية أمتار، زود بأربعة أبراج مخروطية الشكل في أركانه الأربعة، فيما المدخل يتوسط الجهة الشرقية للبوابة مستطيلة الشكل سقّفت بعقد مدبّب تبلغ سعة فتحته ستة أمـــــتار.. وكذلك تم تسقيف المدخل بقبّة نصف كروية الشكل يبلغ طول نصف قطرها ستة أمـــتار، زينـــت بمقرنصات وأقواس زخرفية باستخدام التلاعب بالآجـــر، وهي غاية في الدقة وتعتبر بحق من روائع الزخارف الإسلامـــية.. ويضيف قائلا، على يمين وشمال الداخل إلى الخان رواقان فتحت فيهما الأواوين التي يتقدمها صف من الأواوين الأخرى، التي بدورها تنفتح على الساحة الرئيسية للخان مكونةٍ رواقاً مغلقا.. وتوجد في صحن الخان بئر، وفي وسطه دكتان مرتفعان عن مستوى بناء الخان لأجل الصلاة وهي مرتفعة لتكون بعيدة عن متناول الحيوانات.
أضلاع وهندسة
ويشير الباحث إلى أن أضلاعه الثلاثة الشمالية والجنوبية والغربية تنتصب فيها ثلاثة أبراج كبيرة نصف دائرية يبلغ نصف قطرها 3.40م ويدعم جدران الخان عدد من الدعائم المستطيلة، التي تبرز عن الجدار 10 سم وعرضها 1.20م وارتفاعها 2 م، الغرض منها تقوية الجدران. وهناك مدخل فخم يطلق عليه (بشتاق) يقع في منتصف الضلع الشرقي يعلوه عقد مدبب مرتفع، وتحيط بالمدخل من الخارج حنايا عرض كل منها 1.60م وتزين العقد الكبير زخرفة حصيرية عملت بواسطة التلاعب بالآجر.

وخلف المدخل الاول مدخل آخر أقل ارتفاعاً، يعلوه عقد منبسط يؤدي إلى ساحة مربعة الشكل تعلوها قبة كبيرة نصف كروية، على جانبي الساحة رواقان داخليان، يدوران حول صحن الخان من جهاته الشمالية والجنوبية والشرقية، أما المدخل الرئيسي من الجهة الغربية فيؤدي إلى رواق مستطيل يعلوه عقد مدبب مرتفع يؤدي إلى صحن مكشوف أبعاده 58.75×68.5 ويطل عليه من جميع الجهات 45 إيواناً معظمها بأبعاد 3.10×2.5 عدا الأواوين الوسطية وأبعادها 4.30×2.5 تعلو فتحات هذه الأواوين عقود مدببة مرتفعة ارتفاعها 4.30 م، فيما الأواوين الوسطية الكبيرة ارتفاعها 5.30م. أما الأروقة الداخلية للخان عرضها 4.5 م تؤدي إليها مداخل ركنية من الصحن، وتوجد أمام المدخل دكة مربعة الشكل في كل ركن من الأركان الأربعة أبعاد 5.60م×5.60م. ويحوي الخان على بئر تقع بالقرب من الواجهة الشرقية المطلة على الصحن، ويقال إن فتحة البئر بنيت على شكل قبة صغيرة.
الصيانة
كان الذاهب إلى مدينة النجف يرى على جهته اليسرى هيكلا خربا.. وحيوانات سائبة وهو يدور حيث تتحرك السيارة، وكأنه يتحدّث مع الناس عن آلامه.. فهذا الخان تعرّض إلى الضرر الكبير، حيث هدمت أجزاء كبيرة منه في عهد النظام السابق لاستخدامه كمخزن للعتاد، من قبل قوات الحرس الجمهوري في حرب الخليج، واحتلال الكويت، وكذلك إبان الانتفاضة الشعبانية، وهو ما يؤكده الباحث ياسر الذي يضيف أن الخان شهد انفجار ما خزن فيه من عتاد، وقد أدى الانفجار إلى سقوط أجزاء كثيرة منه . ويشير إلى أن الهيئة العامة للآثار والتراث في وزارة السياحة والآثار قامت بإعادة تأهيله وصيانته، حيث قامت بإعداد التصاميم الخاصة وباشرت فعلياً بترميمه ولخمسة مواسم عملَ خلالها خبراء الآثار والمهندسين وعمال البناء المهرة بكل تفانٍ، حتى أكملوا صيانته بشكل نهائي ليعودَ شامخاً بوجودهِ وبسواعد أبناء العراق. وافتتح رسميا من قبل وزير السياحة والآثار بتاريخ 7/5/2015
فنون بعد إهمال
أصبح الخان اليوم مكانا لإقامة الفعاليات الثقافية المهمة، ومنها مهرجان خان النخيلة.. فما إن تمت إعادة إعماره قبل سنوات ترك بلا فاعلية.. رغم أن عملية الإعمار والصيانة أعادته بشكل لافت وكأنه شيد بشكل جديد بعد أن ظل طوال سنوات الحرب والحصار ومن ثم الاحتلال الأمريكي مجرد هيكل خرب متساقط منفوخ الجدران تعيش فيه الكلاب السائبة، وقيل إنه صار مركزا للسراق أو للتجار بالممنوعات.. ويقول الكاتب لؤي زهرة إن خان النخيلة وبعد أن شاهدنه صدفة بهذا الشكل الجميل وقررنا زيارته قبل أربعة أعوام اي بعد عام واحد من إعادة بنائه وصيانته، قدحت في رؤوسنا نحن مجموعة من المثقفين أن نقيم فعاليات ثقافية.. وألا نتركه هكذا يتعرض إلى التآكل من جديد.. وفعلا أثمرت النقاشات عن إقامة مهرجان خان النخيلة، وقد أقيم قبل أسابيع المهرجان الثالث، وكان بمشاركة عراقية واسعة فلم يعد مهرجانا خاصا بالمدينة، بل صار عراقيا يقام على أرضه الكثير من الفعاليات منها الرسم والمسرح وعرض الكتب والنحت والتمثيل والكثير من النشاطات.. وذكر أنه تم تحويل الدكتين إلى مكان لاستراحة الجمهور والثانية إلى عرض المسرحيات وإلقاء الكلمات فضلا عن إقامة الأماسي الثقافية.