قصائد تجرّ بضحكها الواقع من قميصه الهزلي

حجم الخط
0

قصائد تجرّ بضحكها الواقع من قميصه الهزلي

في اسفار موسي لموسي حوامدة:خالد زغريتقصائد تجرّ بضحكها الواقع من قميصه الهزليما زالت الحداثة الشعرية العربية تتغذي وتتقوي علي جمالية بناء الاشكال الفني أو الفكري في القصيدة، وتلك سمة ضرورية للتحديث في تأكيد قدرته المستمرة علي تخطي المنجز واكتشاف ربيعه، وفي ديوانه (أسفار موسي العهد الأخير) المصبوغ بالأشكال، يسعي الشاعر موسي حوامدة لتأسيس عبور شعري حداثي، رغم وهن الحداثة من اصطدامها بجدار طروحاتها، فكثيرا ما ارتطمت بما كانت تراه هواء للتحليق جدارا صما، نتيجة اسرافها في تعاليها علي الواقع بجنوحها الي ذهنية مثالية سوريالية، لقد راهن موسي حوامدة في تجربته الشعرية الجديدة علي بناء ومضة شعرية تكون ضفافا مفتوحة لغناء صدمة الروح التي تعرج بقدم مدماة علي شوك خريطة وطن لا يأتي، فيسري نحو خصوبة القهر في محيطه ينكأ ذاكرتها الأسطورية مستثمرا لذة عبق عراقة طقوسها البكائية عندما تلوح له غبارا ذهبياً، تدفعه حرارة حلمه نحو التراث كونه الشكل الأخير الضارب جذره في أتربة الهوية الذي يتألق عبر اعادة التشكيل وفق أفق التحديث المرغوب في التجربة الشعرية المعاصرة:(النوافذ،اخترعها أحد الخلفاء. ليتجسس علي جواريه. لكن الفقراء. ظنوا أنها. من ضرورات البناء). يتجلي استلهام موسي حوامدة للتراث الفكري الديني علي بناء انحراف النسق عن مجاري نص الخطابية السالفة وافراغها من طاقتها الدلالية قصد شحنها وتعبئتها بطاقة جديدة مفارقة وممايزة بما في ذلك البدهيات الكونية قصد بناء كوميديا سوداء تجرّ الواقع من قميصه الهزلي فتحوز هذه الآلية علي حالات شعرية متحدثة تكون عوضا عن البلاغة القديمة من حيث الأسلوب فلم تعد البلاغة لديه مجرد صورة فنية وجمالية للغة لأن الشاعر في قصيدته المعاصرة يعيد تشكيلها الجمالي الخاص وبالتالي ينقلب علي تركة نصها القدسية لتكون صورة يومية من بنات العصر عابقة بنصاعة روحية تحكي يوميات كائنها المصعلك.. (هبيني أكلت التفاحة. وأوهمت زوجك بالايمان. هل سيغضب السلطان. ويأمر بقطع جميع أشجار التفاح. أم سيأخذك مني. لأظل وزوجك صنوي خسارة). اذاً الشعرية الجديدة في كتابة حوامدة تقوم علي بناء معادل موضوعي جديد للمأثور الفكري والروحي، تعيد فيه البعد التاريخي والروح الجديدة وفق منظوماتها الفكرية الحديثة واللغة بوصفها اناء مخيلة كائناتها وصورهم الحضارية والاشكالية.. (أدباً. يهرول… بانتظام. أم رهباً. من جنود سليمان يصور لي النظام. لكنه يزين لي الفوضي. وظيفة رصينة. لأجل حياة تحت الأقدام. أستطيع أن أقتل كل يوم. ألف نملة. يستطيع كيميائي أن يبيد. مليون نملة. ولكن. من يعبأ بهذه التفاهات؟). هكذا يستحلم موسي حوامدة المأثور ويستأرخها شعرياً، شاحناً فيه اشراقة قهره الجياشة فتنجز نبوءتها المعرفية في الفن الشعري الجديد، الذي يوقفه علي محيط انتمائه الوجودي وقضاياه الانسانية الذاتية والموضوعية المحايثة شعرياً لآنية الفعل الجمالي الذي لا يفتعل انفصاما بنيوياً في حدثه الصانع جسداً يحتكم الي عضوية جدلية في حدّيه/ الصورة والمادة مما ينتهك المعني القطبي (للجمال والمنفعة) وتوفر الشاعر في نتاجه الشعري علي هذه الميزة المتقدمة في هدم النظرة التقليدية التي تقوم علي تبديد حيوية الفعل بتشريحه كمن يشرح الوردة الي لون وعطر ، دفعه الي أفق تراجيدي كوميدي مركب توجهه مسالكه الشعرية التي تجاور آنها وكأنها تكتفي بأن تكون صورته وحسب مما يجعل زمن الشعرية مخلوقا أي أنه منته (ميت) وتمويت الزمن… هنا ينشأ من البناء العلائقي للشعرية مع خاصة الذات والمكان القائم بزمن غائب وآخر مقموع مقصور علي الحلم مما يولد وميض السخرية الواخزة الموجعة: (لم أحضر عرس أبي. ولذا. تركت المهزلة. تبدأ فصلها. الأول،في 25 شباطجئت الي الدنيا. فوجدت ذنوبي. قبلي). تفور أسفار موسي حوامدة بهمّ رؤية الذات شعريا في ضوء حالات قلق الشاعر العربي المعاصر ورغباته اللاهبة في اجتراح فضاء شعري عابر لنكوصه في عتمات القهر والهزائم والتنمذج بالنمط الخامل انسانيا ولا يملك الشاعر ازاء هذه العلة الوجودية المهيمنة علي واقع الانسان الا أن يفيض مزيج قلق الابداع والذات لغة تناضل بكل اتجاه لتتصل بصياغة تضيء جانباً من صورتها الممعنة في التجسد علي الورق، علي شكل كاريكاتور ممسوخ مبك مضحك:(عندما وزعت العقول. اختار أبي النزق. وعندما قسمت الأرزاق. اختار النزر. وعندما جاء الرضا. أشاح بوجهه. وخلفني). هكذا يصير الأفق الشعري عنده مطية للتهكم الذي يرسم خريطة أسئلته القلقة، تبني تجليات التحام ذاته بحساسية العصر ومفارقاته مما يضاعف جهد الشاعر في تأسيس كتابة تستوي سياق هذا القلق الذي يستبد بروح لم تنسجم تماماً مع قوالب الحضارة التي هزمت قضيته، اذ كانت الحضارة هازمة لقضيته منحازة لضده وبانية له، هكذا تنفجر الذات في جهات وهجها الحر فتحل في انفجار اللغة وانزياحها عن صورته الانسانية وكأن اللغة الشعرية في صورتها المنجزة عدوة الشاعر وقاهرته، فيسري في ايغال مبهم عبر دهاليز النفس وايماضات اسئلتها الغامضة التي تحل محل الغناء الساخن:. (لو كانت الروح امرأة. لقلنا خائنة. لو كانت رجلاً. لقلنا خسيساً. لكنها تنسلُّ. مثل لص خفي. لا يترك آثاراً. …. لو كانت لصاً. لأمسكته الشرطة. لو كانت شبحاً. لكشفته الوطاويط. لو كانت خيالاً. لصاحبنا. لكنها أسئلة. ترفض الوقوف علي أبواب العرافين). يتكون الاشراق الشعري في مخاض أزمة الروح المتقدة ليخرج عن كونه ليس اجتراح قناع وجداني لعبور غابة الظلامية وضباب الزمن المحدد لمدي الشاعر انه تلبس الاحساس البديل المضاد، حراسة لكينونة الوجود المؤقت، لاريب أن للحلم المحسوس والمحدس بالنسبة للشاعر قدراته الفذّة علي ابتكار معان أخري للحياة تستوطن السؤال بلا خيام ولا سلاطين الا سقف المخيلة العالية جداً جداً حتي تبلغ السمو في وطن الشعر الذي تبقي للاجئ:. (ولدت من بطن غيمة. هبطت الي الأرض خفيفاً. كأني لا أبصر. الريح تصفعني. الشمس تنزعني. الوديان تجذبني. تثاقلت كي لا أطير. تساميت كي لا أذوب. تماسكت كي لا أسقط. الرعد أنكر أبوتي. السماوات تخلّت عني. الأرض عدوتي. كيف اذاً.. كيف أعود الي رحم غيمتي). تثير أسئلة موسي حوامدة وجعها في اللغة نور الاستكشاف المعرفي فتمنح نصها دفئه الخاص واشراقاته الشعرية في حوار شفاف مع أسئلة الذات الوجدانية وتجليها في النص دون أن تحذر الاختلاطات مع ما هو منجز علي مستوي الخطاب الشعري كون الشعر لدي حوامدة أمومة الغريب الذي يتزمل قميصه في عرائه الوجودي فيشارك الوجود والطبيعة والزمان والمكان لغاتهم في النص، يتبادل معهم قمصان الرؤية وجلد الوجع وروح الحب فقط علي خارطة الأنثي التي تأتيه في صورة وطن نام ياسمينه في سر الريح المأجورة، فشرخ الشاعر بين الأمل والألم ضحكة عريضة جداً ومرة جداً ترسم كاريكاتور عالمه المغبون:. (وكي أبكي علي. بطنها بحريتي. وأدفع لها الأجرة. فأنا منذ طردت من وطني. صرت أدفع للهواء. وللماء. وللأشقاء. أجرتهم). تتأسس الصورة الشعرية عند موسي حوامدة علي بؤرة ابداعية هي ضفاف لذة الأم التي تأخذ مجالها الحيوي في بناء جمالية الشعر وذلك من خلال منهجه الشعري في البناء والتجلي، هذا المنهج الذي يخترق نفسه كونه متحولاً متجدداً ومستمراً فالصورة الشعرية هي وميض جمالي مثير مبني من داخله علي تشكيل درامي للصورة الشعرية التي تهيمن علي ما سواها في البنية الشعرية، يخيل لقارئ (أسفار موسي) بوحي عنوانه أن هناك مرجعية ماضوية ذاتية أو موضوعية تؤطر الصورة الا أن هذا العنوان ليس الا مفتاحاً بهيجاً لماهية الشغل الشعري الصوري في الديوان، يعني فيما يعنيه الارتباط العضوي الانتمائي لرؤية الشاعر التي تتجلي بأبعادها المعرفية مرجعية خاصة للتكوين الشعري: (البحر الميت. دموع مريم. ضحايا يوشع. عرق راحيل. ومحاح العابرين. البحر الميت. لم يمت مقتولاً بالسم. تلقي طعنة نجلاء. في خاصرته الشرقية. فهوي مقتولاً. في غور الأردن). تتجلي الصورة في قصيدة موسي حوامدة جسداً جمالياً تنبضه روح الذاكرة التي تعني ثالوثاً زمنياً (الماضي ـ الحاضر ـ المستقبل) أي الذاكرة هي مخزن الرؤية التخيلية التي تتردد بين الحلم والذاكرة والواقع الا أن منهج وجودها هو الذاكرة أي الذات الفنية والمعرفية والرؤيوية للشاعر وفق ارتباطات ثقافية واعية تحرر الهوية الابداعية لفضائها الحياتي بالمعني الشمولي، وهكذا تتشكل قصيدة حوامدة بالتئام ذاتي وفني عبر لوحة شعرية درامية، تداخل الحكائية بالشعرية التشكيلية، متجلية بظلال اللون والمقابلة المعنوية والتفاصيل المحيطة بالعوالم النفسية والمناخية للوحة لتؤلفها في شعرية ناصعة، تصدر عن شاعر معجون بالمأساة والحلم، تتخامر فيه هذه الدراما لتتجلي بالنهاية من صدأ المأساة ويبقي الحلم وتبقي معالم وجه شاعر مرت دموعه من هنا. ناقد من سورية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية