قال ونستون تشرشل وهو واقف أمام مجلس العموم في لندن انه رأى سيارة فارهة ينزل منها كلمنث أتلي زميله حقبة طويلة من الزمن في رئاسة الوزارة البريطانية . ضجت الأوساط السياسية واستهجنت الهجوم ونقلته الصحف العالمية باهتمام تحت عنوان «وصف جارح واتهام خطير ومؤلم». لقد أراد تشرشل إيذاء خصمه فقال انه نزل من سيارة فارهة، أي ان خصمه ابتعد عن هموم الشعب البريطاني الذي يعاني من ويلات الحرب العالمية الثانية، وها هو يعيش حياته ويتمتع بركوب السيارات الفارهة.
نقول للسخرية ادخلي بلاد العرب أوطاني، إذا كانت السيارة الفارهة قد حملت العار وشجعت تشرشل على ضرب خصمه فماذا يقول قطاع غزة الذي جلس في ظلام الموت والدمار والخوف والقصف ينتظر الداخل من الاشقاء، لكن لم يأت الداخل، بل وجدوا في الصباح أقنعة القادة والسياسيين الذين ارتدوها أمام الكاميرات حتى يتمموا واجباتهم الكلامية مرمية بين الركام. غزة تحكي قصة الكرامة والتحدي الذي ارتدى ثياب البطولة والعناد وزرع في الأنفاق فجراً يطوق الجسور التي تسعى للتخاذل والهزائم .
والتاريخ سيرسم في ذاكرته وجوه القادة والسياسيين العرب الذين يقفون في محطات آبار النفط ومن يدفع اكثر يصعدون معه.
غزة جالسة الآن على فوهة وسائل الأعلام، الصور المؤلمة تحكي، والوجوه الباكية تحكي، والبيوت والأرصفة والجدران الشامخة التي لم تطلها أيدي الدمار بعد لم تعد تحكي بل تصرخ من شدة الوجع والطعن العربي في ظهرها وخاصرتها وينتظرون موتها.
نشرات الأخبار والبرامج تفتح الأبواب الوهمية عبر الحوارات واللقاءات فضائية ، الكل يحلل الاحداث حتى اصبحت مهنة المحلل السياسي مهنة من ليس له مهنة، والكل يضع أصابعه في عمق النزيف ويعبث بالدم ويعتقد أن الدم مجرد لون أحمر يستطيع بواسطته رسم الدائرة حول المقاومة وتحديد توجهاتها وخطواتها، لكن المقاومة في غزة تضرب موعداً مع لغة التمرد.
– أهناك ما يكفي من الكلمات كي أبني نوافذ لا تطل على المذابح – محمود درويش ..
هل هناك زمن أقسى وأمر من زمن نتفرج فيه على سيوفنا العربية التي اصبحت تصنع من صناديق البويا التي تحتوي أدوات تلميع الأحذية.
واسرائيل المعروفة بشهيتها المفتوحة على الاستيطان وقضم الأراضي الفلسطينية تملك ايضاً جيشاً من «المفاجيع» رغم ان هذا الجيش قد تعرى سابقاً عبر القصص والحكايات والصور التي أظهرت سوء تصرفاته إلا ان هناك احصائيات غريبة صدرت عن هذا الجيش.
في الحروب عادة تكون الاحصائيات عن عدد القتلى وعدد الأسلحة وأنواعها التي استعملت وغيرها من الأمور الخاصة بالجيش، لكن لأول مرة نقرأ عن جيش يتصف بالشراهة في الأكل. لقد التهم الجيش الإسرائيلي خلال شهر – في حربه على غزة – أكثر من ثلاثة ملايين و300 الف وجبة.
في المقابل عرفنا ان أكثر المقاومين أمضوا عدة أيام داخل أحد الأنفاق ولم يكن معهم سوى بضع تمرات وقليل من الماء.
لا يوجد مجال للمقارنة ولكن لا بد من تحليل نفسي لحالات «الفجع» وهذه الكميات الهائلة من الطعام هل هي نتيجة توتر نفسي أو هلع أو خوف أو اضطراب واكتئاب، الأجوبة عند المسؤولين في الجيش الاسرائيلي.
في هذه الأجواء العربية قد نسامح ونختلف ونتوه في دروب الرأي والرأي الآخر، قد نحاول إصلاح الصمت الذي انكسر على أبواب غزة، لكن حين نرى ان هناك من يقوم ببناء أهرام من الفراغ وتسويق السخافة إلى الأجيال في هذا الوقت نصاب بداء الرفض.
هناك إعلان تبثه قناة – ام بي سي- تصور الجماهير الغفيرة وهي تركض تترك أعمالها وأشغالها وتهرول بقوة ونشاط حتى يصلوا إلى حاجز يقف خلفه نانسي عجرم ووائل كفوري وأحلام وحسين الشافعي، هذا اللهاث والركض وحالة الزلزال التي ترافق الصور ما هي إلا مجرد إعلان يخبرنا ببدء (ارب آيدل) البرنامج الذي يفتش عن المواهب الغنائية وهذا البرنامج جزء لا يتجزأ من حالة تلفزيونية عربية تريد تسطيح عقلية الشباب وإبعادهم عن قضاياهم السياسية والوطنية.
كنت اعتقد ان هذه الجماهير في الإعلان متوجهة إلى غزة إو إلى ميدان التحرير رافضة الموقف المصري المتخاذل المتواطئ، وكنت اعتقد ان هذا الإعلان هو ثورة شعبية ضد الطغاة والمفسدين من مروجي الهزائم وصانعي الذل العربي. ولكن للأسف لم يحدث شيء من ذلك.
شوقية عروق منصور