■ يكتب حمدي أبو جليّل مثلما يتكلّم، أو مثلما «ينطَق» على ما يغني الشيخ إمام. وفيما نحن نقرأ نظل مذكّرين أنفسنا، بأن علينا أن ننجح في تحويل الحروف المطبوعة إلى كلام مسموع. أن نسمع أصداءها بآذاننا. سوى ذلك ستضيع جمل كثيرة، إذ تتداخل الكلمات بعضها ببعض، وتحتار الكلمة الواحدة بين أن تكون فصيحة أو تكون عامية، أو تتأرجح بين أن تكون فعلا أو اسما. ثم هناك الأحرف المنفصلة، الحاء مثلا، أو الهاء، التي تتربع منفردة، مستقلة بذاتها على السطر، جارّة الجملة التي تأتي بعدها إلى أن تتقولب محمّلة ببدعة الكلام اليومي، ذاك الذي ينبغي أن يقع في ذهن قارئه مصحوبا بحركة الجسم الطالعة معه. ثم تلك الكلمات التي، رغم زعمنا أننا نعرف اللهجة المصرية معرفتنا بلهجتنا، تدفعنا إلى أن نتساءل إن كانت مما سبق لنا أن عرفناه، سواء معنى أو لفظاً.
في المشاجرات والمواجهات الدموية التي تجري بين الشبان الذين تنقل الرواية أحوالهم في هجرتهم إلى ليبيا أولا، ثم إلى إيطاليا، تُستخرج لغة من أزقّة الفيّوم مثلا، مكان عيشهم قبل هجرتهم. هي كلمات كثيرة وعديدة لكل منها طريقتها في إمتاع قائلها، أو سامعها، بذلك التحدي الذي تظهره لتكون أكثر غنى مما تصوّره أو تصفه.
حمدي أبو جليل كتب رواية كاملة بلغته هو، بعاميته، تلك التي يعرف أن سيرته لن تكون صحيحة إن كتبت بسواها. لو كتبها بالفصحى لكان أشرك بها آخرين، أي أنها لن تعود سيرة خالصة له وحده. بلا واسطة بينه وبين ما عاشه يُقرئنا سنوات إيطاليا وسنوات ليبيا، عابرا محطات عامة مرّت على مصر ليس أكبرها انتقال الحكم من عبد الناصرمثلا إلى السادات، أو من انتقاله من هذا الأخير إلى حسني مبارك. ومن بين ذلك ما يراه من علاقة مصر بتاريخها وجغرافيتها قائلا مثلا، إن ما يجمع مصر بليبيا أهمّ وأكبر مما يجمعها بالسودان، وأن السبب في ما يراه انحرافا عن ذلك الصواب هو التسليم لنهر النيل أن يحدّد البعد والقرب بين البلدان. لكن على الدوام هناك جماعات، خصوصا تلك التي تعيش في الصحارى الواسعة، تميل إلى العبث بما رسمته الحدود الجغرافية. ونحن، في هذه الرواية، نقرأ عن جماعة لم يمض زمن طويل على تأرجحها بين هنا وهناك، حيث جيء بها الآن، في زمن معمر القذافي، لتعطى ما يشبه الهوية. إنها جماعة «الصاد شين» التي حملت الرواية عنوانها. في الصفحة 60 يكتب أبو جليّل معرّفا بتلك الجماعة، وبالعربية الفصحى هذه المرة: «الصاد شين أو أبناء الصحراء الشرقية جنسية اخترعها الزعيم القائد، حقيقة لا خيالا، تعتبر هي والكتاب الأخضر والنهر الصناعي العظيم من بنات أفكاره (..) الصاد شين تمخّضت عن سلالة، عرق، نوع من الناس نصف مصريين نصف ليبيين». لكن الرواية لن تلتزم على الدوام بعنوانها، لن تقتصر فصولها على «قيام وانهيار» هؤلاء.
في الرواية أولئك المهاجرون مختلطون معا، وهم ليسوا العصاميين الهاربين من فقر بلدانهم والساعين إلى حياة أفضل. هنا، في الرواية، هم المنبوذون، المنفرد كل منهم بنفسه، حيث لا عائلة ولا أهل ولا أولاد.
إنها تخرج عنهم ليختلط من هو صاد شين، الذي ربما هو الكاتب نفسه، بقادمين، إلى سبها الليبية وإلى إيطاليا من ثمّ، فنقرأ عن حياة مهاجرين قادمين من بلدان إفريقيا جميعها.
في الرواية أولئك المهاجرون مختلطون معا، وهم ليسوا العصاميين الهاربين من فقر بلدانهم والساعين إلى حياة أفضل. هنا، في الرواية، هم المنبوذون، المنفرد كل منهم بنفسه، حيث لا عائلة ولا أهل ولا أولاد. أما إقاماتهم ففي الخلاء أو في الأمكنة المهجورة نصف المهدمة، أو في الأبنية التي احتلوها بالغصب. وهي إقامات غير مستقرة، إذ ربما يأتي آخرون للإقامة فيها، بدلا منهم، بالغصب ذاته الذي لازم مجيئهم هم، أو يدفعهم هروبهم إلى تركها، كمثل ما حدث حين علموا أن مَن طعنه بعضهم بالأمس ليس رجلا عاديا، بل هو كبير قضاة إيطاليا، أو حين يحيط بالمكان ستّون عسكريا إيطاليا، برشاشاتهم القصيرة، باحثين عن الحشيش المخبّأ فيه.
ومن بين الإقامات هناك السجن الذي فاتني، وأنا أقرأ الرواية، أن أحصي كم مرة أدخل إليه صاحب السيرة، الذي هو الكاتب نفسه، حمدي أبو جليّل، بالاسم. كما كان صعبا تقدير أحجام ما يتداوله أولئك المهاجرون من المخدرات التي يتاجرون بها، إذ تبدو كمياتها خرافية في بعض الوقائع. أما السرقة فملازمة للتجارة وللعمل في المهن الأخرى مثل كاراجات تصليح السيارات أو العمل بالبناء. ولا تتقدّم مرحلة، أو مهنة، إلى ما يلي بدايتها، فالذي يعمل في التهريب لن يلبث أن يصير عامل بناء، ومن كان يكسب خمسة آلاف يورو في اليوم، ربما لن يجد مأوى له بعد أسبوع. لا يتقدّم الزمن إلى الأمام، إنه يتذبذب، يتقدّم ثم يتأخّر، ثم يعود إلى ما كان عليه من قبل. وهؤلاء جميعا هم بطل الرواية نفسه. إنه جميعهم، وإن اختلفوا لجهة دناءتهم أو شهامتهم، جبنهم أو شجاعتهم. هكذا يتراوح بطل سيرته بين أن يكون مقتحما أو هاربا، بين أن يكون عاقلا أو خطرا حتى على نفسه كمثل ما بدا حين راح يمزّق جسمه بالموسى تحديا للعسكريين الذين لم يعرفوا كيف ينبغي التعامل معه. ويظل عنوان الرواية محيرا هو أيضا، إذ لا تتوقف فصولها عن الذهاب إلى ما يتعدى الصاد شين، فيما، يضيّق باقي العنوان «قيام وانهيار الصاد شين» حدودها قاصرا إياها على هؤلاء. هي أوسع من ذلك، وأكثر راهنية وإلحاحا على التشبث بقاع الهجرة الذي حلّ فيه قادمون من بلدان الفقر كلها.
*رواية حمدي أبو جليّل «قيام وانهيار الصاد شين» صدرت عن دار ميريت في 193 صفحة – 2018.
٭ روائي لبناني