رؤوف مسعد مع نصر حامد أبو زيد في «الإسلام المسلح»: تواطؤ نظم القمع العربية والغرب

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
3

القاهرة ــ «القدس العربي»: «لن تخرج الدول العربية من أزماتها بالكبت. تخرج من أزماتها بتجارب قد تكون دامية أحياناً. فالقضية هنا إذن ليست قضية دين، إنما قضية مجتمعية، فالدين تصنعه المجتمعات، وليس الدين هو الذي يصنع المجتمعات. بالطبع فالمسألة معقدة، لكن بشكل جوهري، يصنع الناس دينهم. إذا كان الناس متخلفين، يكون دينهم متخلفاً، وإذا كانوا واعين يكون دينهم واعياً. حينما نواصل مناقشة قضايا العالم الإسلامي، باعتبارها قضايا دينية بالأساس، فنحن نساهم في تزييف هذه القضايا. وهذا للأسف الشديد هو الخطاب الكولونيالي الذي لا يزال مستمراً». (نصر حامد أبو زيد .. الإسلام المسلح).

نظمت دار ابن رشد في القاهرة مؤخراً ندوة مع الكاتب والروائي رؤوف مسعد، لمناقشة كتاب «الإسلام المسلح»، وهو حوار مطوّل أجراه مسعد مع نصر حامد أبو زيد، يتطرق من خلاله إلى العديد من القضايا والأفكار التي تتماس وتتشابك مع الفرد المسلم وصورته، كيف تعمل الأنظمة الحاكمة العربية على رسم وتصدير هذه الصورة، سواء في المجتمعات الإسلامية أو الغربية، كيف يرى نفسه وحياته، وكيف يراه الآخرون.

حكاية الكتاب

تبدأ حكاية الكتاب كما قال رؤوف مسعد، حينما وافقت القناة الثالثة في التلفزيون الهولندي، على اقتراحه بلقاء نصر حامد أبو زيد، وعمل ريبورتاج عنه، بعد أن حكمت المحكمة المصرية ضده في دعوة أقامها محامون مصريون، وقضت بارتداده عن الإسلام، وفصله من جامعة القاهرة، لمنع تأثيره على الطلاب، كما قضت بتطليقه من زوجته، لأنه لا يجوز لغير المسلم أن يحتفظ بعصمته بزوجة مسلمة. بعد ذلك استمرت علاقتهما في هولندا، خاصة بعدما قدمت جامعة «لايدن» الهولندية لنصر أبو زيد عرضا ليشرف على قسم الدكتوراه في الجامعة للطلاب الذين يعدون رسائلهم عن الإسلام، ما سمح لمسعد بعرض فكرة تقديم كتاب مبسط عن الإسلام، يعتمد في شكله على الأسئلة والأجوبة، حيث يمثل مسعد الأسئلة التي تدور في ذهن المسيحيين والأوروبيين، ويقوم أبو زيد، بصفته الأكاديمية بدور المدافع عن الإسلام، وهو ما لاقى قبولاً لدى الأخير. ويشير مسعد، إلى أن هدف الكتاب الذي استغرق إعداده عشر سنوات لم يكن إثبات صحة رأي في مواجهة رأي آخر، لكن الهدف الأساسي، هو وضع الآراء المتباينة حول الإسلام باعتباره ديناً، وحول الخطاب الإسلامي، ومدارس التأويل المختلفة، أمام القارئ المستنير في الأساس، الذي يريد أن يرى فهمًا علميًا لكل هذه المعتقدات والفلسفات حتى لو كان يختلف معها. أما مسألة النشر، فقد لاقى الكتاب رفضاً من عدة دور نشر، حتى وافقت دار نشر مغربية، وصدر بعنوان «الإسلام لابني .. حورات مع نصر حامد أبو زيد»، قبل أن يتم نشره في مصر من خلال مؤسسة دار ابن رشد، بعنوان «الإسلام المسلح .. رؤوف مسعد يحاور نصر حامد أبو زيد».

يُشير رؤوف مسعد في مقدمته للكتاب إلى أن الصدام حتمي تاريخياً، لأن كل دين ــ كما يوضح أبو زيد ــ حينما يظهر لاحقاً بعد دين سابق يعتبر أنه الأكمل والنهائي والخاتمة، وإلا لما كان هناك سبب لظهوره من الأصل!

محاولة تجنب الصدام

يُشير رؤوف مسعد في مقدمته للكتاب إلى أن الصدام حتمي تاريخياً، لأن كل دين ــ كما يوضح أبو زيد ــ حينما يظهر لاحقاً بعد دين سابق يعتبر أنه الأكمل والنهائي والخاتمة، وإلا لما كان هناك سبب لظهوره من الأصل! فكيف يمكن تجنب هذا الصدام وتحويله من عامل توتر واحتقان، إلى عامل إثراء حضاري وإنساني؟ الإجابة تكمن في اكتشاف الزخم الثقافي والإنساني في الأديان، باعتبارها ـ كما قال أبو زيد ــ تتحول بعد استقرارها في ضمائر المؤمنين بها لتكون مُنتجة للثقافة. والثقافة هنا بالطبع هي الرؤية الشاملة والمتجددة أبداً للكون بوصفه كلاً لا يتجزأ، أي أن علاقة الإنسان بهذا الكون ومشاركته للآخرين من بشر وحيوان وجماد وفضاء، تكون في الوجود في هذا الكون بشكل جدلي، أي حركة ديناميكية متصلة من الأخذ والعطاء بدون استعداء أو عداء.

فزاعة الإرهاب

وفي الأخير يضيف مسعد .. «في هذا الكتاب أردت أن أشتبك مع الحالة التي تعيشها الحضارة الإنسانية، فبعد مقولات (صدام الحضارات) ومحاولة الإسلام السيطرة على الحضارة الإنسانية وفرض مفاهيم شرقية إسلامية على أسلوب الحياة الغربية خاصة، وظهور أحزاب أوروبية تعتنق خطاب (الإسلاموفوبيا) وتفوز بمقاعد لا بأس بها في برلمانات بلدانها. بالتوازي مع تفجر متفاقم لـ(الجهاد الإسلامي)، بدا لي، من قبل ومن بعد، أن مفكرا بحجم ونوعية نصر حامد أبو زيد هو الأجدر على الاقتراب ــ معنا ــ من ظاهرة دموية تقلق العالم. ظاهرة وظفها الحكام الديكتاتوريون في الشرق العربي والإسلامي، غذوها دوماً، وباعوها ثانية إلى الغرب، لكي يتغاضى عن قمعهم الوحشي لآمال الشعوب الرازحة تحت حكمهم البوليسي. تغاضى الغرب، الذي يتشدق بالديمقراطية، عن هؤلاء الحكام عقوداً طويلة، كما حدث مع زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر وعلي عبد الله صالح في اليمن ومعمر القذافي في ليبيا. وكلنا نعرف النتائج الوخيمة لهؤلاء… لم يمتد حواري مع أبو زيد، بالطبع، لتجربة حكم الإسلاميين في مصر، ولا للثورة عليهم، لكن الحوار يضيء الظاهرة كلها، ويستشرف سياقات لم تكن قد حدثت حين أجريته، كأنه يتنبأ بها».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية