بين الثورة الليبية 2011 والثورة الفرنسية 1789

حجم الخط
3

لا شك في أن ثورة الليبيين على معمر القذافي قامت بعد معاناة وصبر على الظلم والاستبداد، وأنها نجحت بشكل أو بآخر في التخلص من رأس النظام المستبد، الذي كان سببا في تأخر البلاد وقمع العباد لعقود. ورغم ما تميزت واختصت به هذه الثورة من أسباب أدت لقيامها ونتائج حققتها، وأخرى ترجو وتسعى لتحقيقها، الا انه ومن خلال مراجعتي للثورة الفرنسية في بعض المصادر التاريخية من حيث أسبابها، وظروف قيامها، والنتائج التي حققتها أو التي فشلت في تحقيقها في بعض المراحل، وجدت أن الثورة الليبية في السابع عشر من فبراير/شباط 2011 تتشابه وتلتقي في بعض أحداثها مع الثورة الفرنسية التي قامت في الرابع عشر من يوليو/تموز عام 1789 وإن باعد الفارق الزمني والمكاني بينهما.
تقول كتب التاريخ أن أهم أسباب قيام الفرنسيين بالثورة على الملك لويس السادس عشر هو رغبتهم في التخلص من الحكم المطلق، ومن نظامه الملكي الذي بسببه كان الملك يعتقد انه يستمد سلطته من الله مباشرة، ولا أحد له الحق في الاعتراض، لذلك ثار عليه الفرنسيون وحكموا عليه بالإعدام بعد اربع سنوات في 21 يناير/كانون الثاني 1793، في ميدان الكونكورد في باريس، ومن جهة أخرى فان أسباب قيام الليبيين بثورتهم لا تختلف كثيرا عن أسباب الفرنسيين، فهم أيضا كانوا يريدون التخلص من معمر القذافي وحكمه المطلق ونظامه الجماهيري الذي كان يستمد منه سلطاته، من دون أن يكون هناك مجال للاعتراض، بل أن المساس بأي شكل بالقذافي ونظامه الجماهيري البديع كان فعلا إجراميا عقوبته الإعدام! ربما كان هذا سببا كافيا للثوار، جعلهم ينفذون فيه حكم الإعدام من دون محاكمة، في الطريق بين مصراته وسرت بعد أربع ساعات فقط من القبض عليه صباح يوم الخميس 20 أكتوبر/تشرين الاول2011.
من الأسباب التي جعلت الفرنسيين يتمردون على ملكهم ويقررون الثورة عليه، هو وجود طبقة الاشراف المحيطة بالملك، هذه الطبقة، كما تشير المصادر التاريخية، تشكل أعلى مراتب المجتمع الفرنسي، وكانت تعيش بالقرب من قصر الملك وتحيط به من كل جانب، وتتمتع بحمايته، كما منحهم الملك امتيازات كثيرة، وكان لهذه الطبقة وحدها تقريبا حق امتلاك الأراضي الزراعية الخصبة، من دون أن يدفعوا الضرائب مقابل انتفاعهم بها، وكان لهم وحدهم أيضا شغل المناصب العليا في الجيش، وفي ديوان الملك، ويشكلون نسبة مهمه من كتائب حرسه الشخصي لثقته فيهم، ولحاجتهم اليه، كما سيطرت طبقة الاشراف على معظم مؤسسات الدولة المدنية المهمة كالمصارف ومكاتب جمع الضرائب، واثقلوا كاهل المواطن الفرنسي البسيط بدفع الرشاوى للتهرب من دفع الضرائب المخصصة للدولة، ومما زاد من حقد الفرنسيين على هذه الطبقة، أن هذه الحقوق التي منحها لهم الملك ورّثوها لأبنائهم من بعدهم، وكأنها حق مكتسب، ولم يكن في الأفق القريب من حل ليتخلص الفرنسيون من الاشراف الذين عاثوا في الأرض فسادا، وقد حاول بعض الاقتصاديين اقتراح وطرح برامج وحلول أصلاحية، بعد أن تفاقمت مساوئهم في البلاد الفرنسية، وكانت أهم هذه المحاولات الإصلاحية، ما اقترحه الوزير «كالون» في برنامجه الذي عرضه على الملك والبرلمان ومجلس الاعيان،والذي كان يهدف لجعل الفرنسيين متساويين في تحمل مصاريف الدولة، دون النظر في مراتبهم الاجتماعية سواء كانوا من طبقة الاشراف والاعيان أو من رجال الدين أومن عامة الشعب،وقد فشل مشروعه لأنه يتعارض ومصالحهم بشكل كبير. الليبيون البسطاء أيضا كان تذمرهم وكرهم للطبقة التي كانت تحيط بالقذافي،واغلبها تعيش في باب العزيزية أو قريبة منه أو مرتبطة معه بشكل أو بأخر سواء من اللجان الثورية أو من الضباط الكبار في كتائب القذافي الأمنية،أو من رفاقه وأبناء عمومته لانهم احتكروا المناصب العليا والوزارات،وامتلكوا المزارع والمصانع ومثلوا البلاد في الخارج فاشتغلوا في السفارات، ومكاتب الدولة الاستتمارية في الخارج، وتمتعوا بمختلف المزايا والمهايا، وهم أيضا ورثوا هذا كله من بعد ذلك لأبنائهم وأيضا احفادهم. ومن نافلة القول أن نذكر ما حدث في ليبيا قبل اندلاع الثورة ومحاولات شكري غانم الاصلاحية والمتمثلة في رفع الدعم وغيره من الإجراءات التي قوبلت بالرفض، لأنها تقطع الطريق أمام من اشتهروا باسم (القطط السمان) هذا كله شكل عاملا مهما لتزداد صور الفساد أكثر وضوحا في المجتمع الليبي، ولتساهم هذه الطبقة بالتعجيل في زيادة حنق الليبيين على القذافي وأتباعه ومريديه، وبالتالي انتفاضتهم وثورتهم عليه.
هجوم أهالي باريس على الباستيل الذي كان رمزا لقوة الملك وهيبته، وسقوطه بأيديهم، واستيلاؤهم على السلاح من مخازن «الانفاليد» الملكية، كان يشكل نقطة فارقة في تحول الثورة من مظاهرات مدنية يقودها طلاب وفلاحون تطالب بعزل الملك وحاشيته، إلى مجابهات مسلحة تطالب بإعدام الملك وتحويل فرنسا الى جمهورية، وقد تطلب الوصول لتحقيق هذا المطلب سنوات سقط فيها الكثير من الضحايا والجرحى، الذين قدموا ارواحهم وسالت دماؤهم، في سبيل أن تحقق الثورة الفرنسية أهدافها، كما تكبدت فرنسا خسائر فادحة في الممتلكات كادت تعصف باقتصاد البلاد وتؤدي لفشل الثورة الفرنسية، خاصة انها تعرضت لمؤامرات خارجية من دول مجاورة لها وبعيدة عنها، كان ملوك هذه الدول القوية التي تحالفت سرا وعلنا لإفشال الثورة الفرنسية لانهم كانوا يخافون بشدة من هبوب رياح وأعاصير التغيير القادمة من الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، التي قد تعصف بعروشهم بسبب ما كانت تحمله من أفكار متطرفة في نظرهم تنبذ الملكية وتنادي بخلاص الشعوب وتحررها.
في ليبيا كان لهجوم أهالي بنغازي، وتضحية الشهيد المهدي زيو دور كبير في الاستيلاء على كتيبة الفضيل بوعمر، التي كان لسقوطها في يد الثوار أثر مهم في توجيه أحداث الثورة الليبية نحو مسار مختلف عجل بتطور الاحداث لصالحها، وزاد من حماس الثوار في الإصرار على مواصلة النضال حتى حققت نجاحها بالوصول الى معقل القذافي في باب العزيزية وبعدها بقتله في سرت، حينها اعلن الثوار للعالم ان ليبيا الان خالية من القذافي، وانها دخلت مرحلة جديدة تهدف في الاساس لإسعاد الليبي وتعويضه عن سنوات القهر والعذاب، وكما في الثورة الفرنسية فان الطريق للوصول لهذه المرحلة كان شاقا، دفع فيه الليبيون ارواحا ودماء واموالا وصبرا طويلا، ولايزال الطريق لتحقيق أهداف الثورة الليبية أكثر صعوبة، خاصة وانها تتعرض أيضا لمحاولات افشالها من جهات خارجية، في صالحها أن تفشل لأنها تخاف هي الأخرى من أن تنتقل رياح الثورة من شمال المتوسط لتحيط بعروشهم وكراسيهم البعيدة عنه!

٭ كاتب ليبي

سالم أبوظهير

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية