هل قوضت «داعش» حلم بارزاني بالدولة الكردية المستقلة؟

حجم الخط
4

كما شكلت سيطرة قوات «داعش» على الموصل وإعلان الدولة الإسلامية، ثم الخلافة، إنعاشاً لحلم دولة كردستان المستقلة لدى مسعود بارزاني، يبدو أن التفات داعش نحو الشمال الكردي شكَّلَ ضربة قاصمة لذلك الحلم، لن تخفف منها غارات الطيران الأمريكي على قوات أبي بكر البغدادي ولا الدعم الأمريكي – الأوروبي السخي لقيادة الاقليم، ولا نجاح قوات البيشمركة، بدعم أمريكي، من استعادة السيطرة على سد الموصل.
فالحليف الأمريكي أعلن أكثر من مرة، وعلى لسان أرفع رجالات الإدارة، رفضه فكرة الاستفتاء على استقلال الاقليم الفيدرالي الذي وعد به مسعود بارزاني في زيارته لكركوك بعد سيطرة قوات البيشمركة عليها. كما عبرت الإدارة عن عدم رضاها عن تصدير نفط الاقليم، عبر تركيا، بغير موافقة الحكومة المركزية في بغداد. هجوم قوات «الدولة الإسلامية» على منطقة سنجار، ثم مخمور، قلب كل المعادلات. انهارت قوات البيشمركة في سنجار بصورة مفاجئة وأخلت المنطقة، فيما يذكر بانهيار قوات جيش المالكي التي فرت من الموصل في حزيران، في الوقت الذي واصلت فيه قوات «الدولة» تقدمها باتجاه العاصمة أربيل. هنا جاء القرار الأمريكي بشن غارات على تلك القوات لإنقاذ أربيل من السقوط.
هذا التسلسل الدراماتيكي للأحداث المتسارعة يقول لنا شيئاً مهماً: لولا النجدة الأمريكية لكانت نار الحرب وصلت إلى قلب أربيل وكركوك. هذا يعني، في الوقت نفسه، أن على قيادة الاقليم أن تتخلى، في الشروط القائمة اليوم، عن حلم الدولة المستقلة التي يرفض المنقذ الأمريكي قيامها.
لكن هذه الشروط الجديدة شكلت فرصةً نجاح كبير للاعب آخر لم يكن ليحلم بها، قبل التطورات الأخيرة، مجرد حلم. إنه حزب العمال الكردستاني الذي لم يتردد لحظة واحدة لملء الفراغ الذي تركته قوات البيشمركة في سنجار ومخمور، وأصبحت قوات «الكريللا» التابعة له و»قوات حماية الشعب» التابعة لفرعه السوري، هي الطرف الآخر في الحرب على داعش في الشمال. كانت زيارة مسعود بارزاني لمقر قيادة قوات الكريللا معبرة جداً من حيث انقلاب الموازين في الميدان والسياسة الكرديين، بالنظر إلى العلاقة المتوترة بين الطرفين طيلة السنوات السابقة. هذا التوتر الذي برز على السطح بمناسبة زيارة بارزاني لديار بكر، في شهر آذار الماضي، حيث اجتمع مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وهاجم سياسة حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا بشدة عشية تلك الزيارة.
يقول جميل بايك، الرئيس المشارك لقوات حزب العمال الكردستاني، في تقييمه لانهيار قوات البيشمركة: «لقد انغمست هذه القوات في التجارة ورغد العيش، فلم تعد تملك إرادة القتال. ليس صحيحاً أنها بحاجة إلى السلاح الذي طلبته من أمريكا وأوروبا لمواجهة قوات الدولة الإسلامية. هي تملك السلاح الثقيل، لكنها فقدت الحافز والإرادة اللذين يملكهما مقاتلو حزب العمال الكردستاني» (من حوار أجراه معه روشن تشكر في صحيفة «وطن» التركية).
لم يكتف «الكردستاني»، من خلال استثماره لفرصة قتال قوات «الدولة الإسلامية»، بتسجيل نقطة على قيادة إقليم كردستان، بل كذلك أصبح في وضع أفضل في السياسة الداخلية التركية إزاء شريكه في مسار الحل السلمي: حكومة أنقرة. فقد باتت السياسة الخارجية لهذه الحكومة رهينة في يد «الدولة الإسلامية» التي تحتجز، منذ العاشر من شهر حزيران، 49 تركياً هم طاقم القنصلية التركية في الموصل مع عائلاتهم. فلم تجرؤ على مجرد اتخاذ موقف من خطر الكيان الجديد على حدودها الجنوبية، في الوقت الذي انخرط فيه «الكردستاني» في الحرب طليق اليدين. وهذا في مناخ دولي ناشئ من «الحرب المقدسة» على «الدولة الإسلامية» لا تستبعد حتى تحالف الغرب مع نظام دمشق المنبوذ في إطارها.
الواقع أن اندفاع بارزاني نحو استقلال الاقليم عن العراق ارتبط بالممارسة النابذة للسنة والكرد التي سلكها نوري المالكي طوال السنوات الماضية. ثم جاء اجتياح منظمة «الدولة الإسلامية» للموصل، مستثمرةً في المظلمة السنية، ليمنح بارزاني الفرصة الذهبية بضم كركوك إلى الاقليم والمضي نحو استقلاله التام.
دولة إسلامية للسنة وأخرى كردية في الإقليم الكردي؟ هذا التحدي المزدوج لإيران الغارقة في الحرب الطاحنة في سوريا حتى أذنيها، دفع بها إلى التخلص من نوري المالكي لاستعادة السنة والكرد إلى الدولة المركزية في بغداد. فواضح أن إيران لا تريد دويلة شيعية تابعة لها في جنوب العراق، مقابل مخاطر جسيمة على أمنها القومي تمثلها الدولتان السنية والكردية على تخومها. بل تفضل عراق موحداً يهيمن عليه المكون الشيعي وتحديداً حزب الدعوة.
هذا ما يفضله الأمريكيون أيضاً. فهم يضغطون لتشكيل حكومة توافقية تضم السنة والكرد لمواجهة خطر داعش بدعم أمريكي – إيراني كامل. وقد أعلن وزير الخارجية هوشيار زيباري عن عودة الوزراء الكرد إلى الحكومة بعد تجميد عضويتهم فيها. لكن الأمر ليس بالسهولة ذاتها بالنسبة للمكون السني – الحاضن الاجتماعي المفترض لـ»الدولة الإسلامية». فالمجزرة الطائفية البشعة التي ارتكبتها ميليشيات شيعية مرافقة للجيش العراقي في مسجد مصعب بن عمير في قرية أم ويس بمحافظة ديالى، وراح ضحيتها 73 من المدنيين العزل، من شأنها أن تقوض كل المساعي الأمريكية لإنشاء تحالف شيعي – سني – كردي في مواجهة دولة أبي بكر البغدادي.
إلى ذلك، بات حزب العمال الكردستاني على الضفة نفسها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية في حربهم المقدسة الجديدة ضد «الدولة الإسلامية»، إلى درجة أن جميل بايك لم يتورع عن طلب السلاح من الدول الغربية، وكأن حزبه المسلح غادر قوائم تلك الدول للمنظمات الإرهابية. لم يكن بايك يمزح، بل كان يتحدث بمنتهى الرصانة.

بكر صدقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية