الموت واشباحه

حجم الخط
10

«يا أيها الموتى بلا موتِ
تعبتُ من الحياةِ بلا حياة
وتعبتُ من صمتي
ومن صوتي
تعبتُ من الروايةِ والرواة».
بهذه الكلمات خرج صاحب «مراثي سميح القاسم» من اللعبة، وترك لنا إرث الكلمات التي جعلته احد أصوات ثلاثة صنعت شعر المقاومة، وبنت عمارة الشعر الفلسطيني المعاصر.
مات سميح القاسم في قريته وبين أهله وناسه، لم يعش أهوال الغياب الذي فرضته النكبة على أغلبية الفلسطينيين، ولم يختر أن يغادر مثلما فعل محمود درويش.
عاش اوجاع الاضطهاد التي صنعها الحكم العسكري الاسرائيلي، وواجه هول تقسيم الفلسطينيين على اساس طائفي بموقف نبيل وشجاع.
لم يكن سميح القاسم زعيماً سياسياً كتوفيق زياد، ولم يصنع لغة الأجيال الجديدة كما فعل محمود درويش، لكنه مثلهما كان شاعراً، ومثلهما نسج حكاية الألم الفلسطيني بالكلمات.
مع موته غير المفاجئ، يرتفع سؤال موتنا في هذا الزمن العربي المليء بالالتباسات. أكاد أن أقول أننا صرنا نغار من أصدقائنا الموتى، فالنعاس الأبدي يجنبهم المرور في هذا «المطهر» الدموي الذي تمر به العرب. (أستخدم كلمة «مطهر» لأن أملاً ما يراودني، بأن تكون هذه اللحظة العربية لحظة عابرة، يمكن من بعدها أن ننفض عنا غبار الألم والتعاسة واليأس).
قلت نغار ولم أكن صادقاً مئة بالمئة. لنقل أن هناك سبباً وجيهاً للغيرة، وهو أن الموتى نعموا بمراسم تشييع وذهبوا الى نومهم الأخير محمولين على دموع الناس. اذ لا شيء يضمن اليوم او غداً ان لا نموت كما يموت ألوف العراقيين والسوريين، ولا نجد لأنفسنا قبراً، ولا تجد رؤوسنا وسادة دمع تستند اليها بعدما جفت الدموع.
لكن للموت أصوله، حين تكون الاصول، وهذا يخيفني. عندما يموت الانسان يفقد قدرته على أن يحدد شكل لحظاته الأخيرة. فهو يغادر قبل ان يُسدل ستار التراب على آخر فصول الحكاية، ولا يملك القول الفصل في كيفية تشكيل نهاية النهاية.
في يوم مأتم سميح القاسم لبيتُ دعوة لوقفة تضامنية في ساحة الشهداء في بيروت في الذكرى السنوية الأولى لمجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، في دمشق.
ما العلاقة بين الأمرين؟ أسأل روحي.
وقفنا صامتين بالعلامة الصفراء، وفجأة ارتفع غناء حزين وعزف على الغيتار. فتاة غنت للشام وشاب غنى لمخيم اليرموك، ثم نهض راهب يسوعي وغنى «يما مويل الهوى»، وأحسست أنه يغني للشام وغزة وسهل نينوى في الآن نفسه.
كنا حفنة صغيرة من الناس ينشر الحزن ظلال المساء على اروحهم.
لم أستطع أن أصدّق أن مجزرة الغوطة حصلت من سنة فقط. فاجأني الزمن، فالأهوال التي مررنا ونمرّ بها، جعلتنا نشعر ان سنوات قد مرت. المآسي أشعرتنا أن الزمن متناقض وعصي على الفهم، ينضغط الزمن ويسيل في الآن نفسه. زمن المأساة كزمن الموت يسخر من احساسنا بالزمن، ويجعلنا نحيا خارج قوانين دورته.
قلت لأحد الأصدقاء عن سميح القاسم، أحسست أنني هنا، بعلامة الكيماوي الصفراء، أشيّع شاعر فلسطين كما يليق بالشعراء أن يُشيّعوا.
لكن التشييع كان في الجليل. كم تمنيت أن أرى الجليل وأمشي على ماء بحره، وآكل السمك الذي يصطاده من بقي هناك من سلالة الصيادين.
وحين قرأت كيف كان التشييع، أصبت بالحزن.
من قرر اسماء خطباء حفل التشييع؟ من دعا موفق طريف الى منصة الخطابة؟ وهل يُعقل أن يخطب في وداع شاعر المقاومة من عمل مع الاحتلال؟
ومن قال للأسقف عطالله حنا أنه يحق له شتم ثورات الربيع العربي أمام نعش الشاعر؟ هل قرأ الاسقف المحترم كتابات القاسم؟ أم أنه اعتبرها مناسبة أخرى كي يُشهر فصاحته؟
والى آخره…
لن أسترسل، فالزميل علي مواسي كتب عن التشييع وعن الأسى الذي رافق الشاعر في لحظاته الأخيرة بيننا.
سميح القاسم لا يدري ماذا جرى، انه اليوم في منام الموت الذي يحوّله الى جزء من أبجدية اللغة العربية، وهو بذلك لا يأبه، ولا يعلّق، ولا يقول.
كما ترون فالموت الذي بدا مهرباً من قصاص هذا «المطهر» الدموي الذي يحاصرنا قد يتحوّل هو الآخر الى نوع من القصاص الذي ينزله الأحياء بالموتى.
قد تجد عائلة القاسم الف سبب وسبب لإقامة المأتم بالطريقة التي أقيم بها، ولكني اشعر بالأسى.
نحسد الموتى ونخاف عليهم من الأحياء!
ما هذه المفارقة التي تأتي على ايقاع هذا التفكك الفكري والسياسي الذي يضرب مجتمعنا، فتصير القبيلة ملاذاً من فراغ الروح.
لكن شاعر «أحبك كما يشتهي الموت»، ينسلخ اليوم عن حفل التشييع، ولا يرى سوى العلم الفلسطيني الذي ارتفع في مأتمه.
هذا العلم الذي التف به سميح القاسم ومحمود درويش في امسية شعرية أقيمت في لندن عام 1988، يضم اليه الشعراء الذين صنعوا من ركام الكلمات لغة فلسطينية مقاومة، هي ما سيبقى بعد أن ينجلي هذا الليل.
لغة المقاومة التي صنعها شعراء فلسطين وكُتّابها تضيء اليوم ليل غزة المشتعل بالحرائق، وتصنع أفق مقاومة شعب قرر ان لا ينحني الا للأرض التي اصطبغت بالحرية.
سميح القاسم، محمود درويش، توفيق زياد، أميل حبيبي، انكم تضيئون ليلنا بكلماتكم.
لكم الحب والتحية.

الياس خوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية