الناصرة ـ «القدس العربي»: لم يكن بوسع الفنان الفلسطيني عامر حليحل إتقان دوره المسرحي، وهو يمثل ويستعيد شخصية الصحافي الفلسطيني اللبناني الأصل نجيب نصار في مسرحية «صاحب الكرمل»، لولا أن الأخير كان صحافيا مهووسا بصاحبة الجلالة وبرسالتها النقدية ويستحق الاستذكار والإحياء من جديد. منذ العرض الأول قبل شهرين في القدس وحيفا، يقبل الجمهور على مشاهدة مسرحية «صاحب الكرمل» الممتدة على نحو 70 دقيقة تأخذهم فيها إلى رحلة لعروس الكرمل وتسلط الضوء على كاتب صحافي عشق مهنته لدرجة الهوس، وأبدع بإنتاج غزير غير آبه بمصاعب جمة تحملها ما دفع أوساط فلسطينية لنعته بـ«شيخ الصحافة الفلسطينية». والمسرحية من إنتاج مسرح «الحكواتي»، تأليف عامر حليحل نفسه، الذي يبدو أنه غاص في المصادر حتى امتلك تفاصيل قيم وطباع شخصيته، ومّثل فيها الدور المركزي ومعه الممثلون خولة إبراهيم، محمد الباشا وإيفان أزازيان، وأخرجها أمير نزار زعبي. ومنذ اللحظة الأولى يتنبه الشاهد أن حليحل قد تماهى مع الشخصية وروحها بكل ما فيها من قيم متميزة، بل نادرة فعلا، وتجلى الحب بين الممثل والشخصية المسرحية بقول ساذج زوجته الثانية له قبيل ارتباطهما بقليل ردا على تساؤلاته عن سلامة قرارها إنها «أحبت به مبدئيته وكرمه وسخائه وعنفوانه».

ساذج نصّار
وساذج هي ابنة الشيخ بديع الله بهائي جاءت لـ«الكرمل» كي تتعلم عنده الكتابة الصحافية بتوصية من والدها كونها بخلاف زميلاتها مغرمة بالسياسة ومشاغبة ولسانها أطول من رغبة والدها وقدماها أسرع من صوته، وهو ينادي عليها لتعود من الميناء ومن تجمعات الناس في حيفا» فهي «حسن صبي» كما تقول هي على خشبة المسرح، من خلال الفنانة خولة إبراهيم، التي أدت دورها بحرفية وخفة دم. في سياق بوحها عن مكنوناتها تبدو «ساذج» تمتاز هي الأخرى بمزاج صحافي مشاغب فتقول على خشبة المسرح، إنها فتاة متحمسة للسياسة. وما تلبث أن تدخل ساذج في حوار جميل مع قدوتها الصحافي البارز النجيب، فتختلط مصطلحات الصحافة والحب في أول غمزاته فتمتزج دموع الأسى والابتسامة لدى المشاهدين في مسرحية ظلها خفيف حافظت على الابتسامة وعلى البعد عن العبوسة رغم ثقل ومأساوية بعض مضامينها.
تروي المسرحية سيرة نجيب نصار، مثقف عربي المشابهة لحد بعيد سيرة الكاتب الصحافي أكرم زعيتر، الذي قاتل هو الآخر بكل قطرة دم كي يحول دون سقوط فلسطين بين مخالب الذئاب في شروط مستحيلة .
زراعة الموز والصهيونية
وتروي المسرحية سيرة نجيب نصار وهو في الأصل من مواليد عين عنوب في جنوب لبنان عام 1873 وعقب تخرجه في الجامعة الأمريكية في بيروت في الصيدلة والعلوم السياسية عمل في صيدليا في طبريا. مثله مثل بعض اللبنانيين والعرب ممن استهوتهم فلسطين أقام فيها نجيب نصار، وما لبث أن تبع قلبه وعقله فانتقل من الصيدلة للصحافة ومن طبريا إلى حيفا. تستعيد المسرحية هذه المحطات في سيرته ومن خلالها تستعيد ملامح الحياة الاجتماعية والسياسية داخل البلاد وفي حيفا بشكل خاص وإن كان ذلك قد تم باختصار زائد.
صحافة بدل صيدلة
وما لبث أن قرر نجيب نصار تغيير المكان والمهنة فسارع للانتقال من طبريا إلى حيفا لاقتناء مطبعة من بيروت وفتح صحيفة «الكرمل» عام 1908. وتدور وقائع المسرحية على خشبة التمثيل حول ماكنة طباعة عملاقة يعرف صاحبها كل برغي فيها، وهو الصحافي المثقف المجيد للعبرية أيضا المسكون بهاجس التعبئة والتحذير من الصهيونية، ومن مشروع استعماري استيطاني خطير وخبيث، غاب عن عيون معظم الفلسطينيين وقتها.
وتكشف المسرحية عن مهارات صحافي عاشق لمهنته لدرجة الشغف المجنون يحّركه الضمير المهني والوجدان الوطني القومي، وهو يواجه كل الدنيا فيكتب ويحرر المضامين، ينضدد النصوص، يطبع الصحيفة ويوزعها ويهتم باشتراكاتها. تمكن حليحل من استعادة نجيب نصار الذي حارب طواحين الهواء متحديا العثمانيين والإنكليز والفرنسيين والصهيونية دون كلل ولا ملل ولا وجل، متقمصا روحه المشاغبة المثابرة محاكيا لهجته وانفعالاته وانهماكاته اليومية المبللة بقطرات العرق والتعب، مستعينا بنكات لماحة وأحيانا سوداء وبحركات رشيقة. لم تكسر إغلاقات الصحيفة والاعتقالات والملاحقات في العهدين العثماني والبريطاني روح نجيب نصار، فكان كل مرة يستجمع ما لديه من قطرات الطاقة والقوة واستأنف المشوار من جديد. ورغم ضغوطه الاقتصادية واللوم الدائم من قبل شقيقه رشيد بادر نجيب لشراء مزرعة في بيسان كي لا يبتاعها اليهود، ما فاقم الجدل الصاخب بين نجيب ورشيد.
مفلح الغساني
ونجحت المسرحية في استعادة الرواية التاريخية بدقة منذ بداياتها فخلال الحرب العالمية الأولى هرب نجيب نصار ثلاث سنوات من بطش جمال باشا عام 2015 بعدما سمع عن نيته اعتقاله، وهو يقول عنه في المسرحية «هربت من حكم ما صدر ومن تهمة لا يعلمها إلا الله، فاختبأ في الناصرة وبيسان تحت اسم «مفلح الغساني» فعاد لحيفا مشتاقا لكل شيء ووجد أن زوجته قد تركته وتزوجت من ضابط عثماني تاركة له رسالة. غضب لخيانة زوجته، وما لبث أن عاد لمحبوبته العشيقة غير السرية صحيفة «الكرمل» فاستدان من شقيقه رشيد بعض الجنيهات، واستأنف طباعة «الكرمل» وسط بحر متلاطم من التوتر والملاحقات والتحديات. ولم ينج الصحافي المؤمن بالحقيقة وبالمهنة المتعبة من لوم أقرب الناس كأقاربه وأصدقائه.
يا ريت كنت زيك
تجلى ذلك في تجربة يتعرض لها كل صحافي يحترم مهنته، في جدل ساخن بين نجيب وأخيه رشيد صاحب الصيدلية، القلق على زبائنه ومصلحته التجارية الذي قال لائما «لم يبق لك ولنا صاحب في البلد ولا تفكر ببكرا وكيف ستعيل أسرتك وحاطط حالك بالجريدة ومورط حالك ومورطنا، ونصف البلد بطلت تفوت على صيدليتنا بسبب موقفك في الانتخابات، مناهضتك للمفتي ولرئيس بلدية حيفا حسن شكري». نجيب المؤمن بصدقية وعدالة انحيازه لمهنته، ويعتبرها مقدسة، وبحق يحاول ضمن حوار طرشان دفع شقيقه لتخفيف ضغطه أن يقنعه بأنه يدافع عن كل مصالح البلد، بل عن مصيرها لكن بدون جدوى: «شو رأيك أن كل البلد ستروح بعد سنة من خوفك وخوف اللي مثلك على مصالحهم، والجريدة تعمل على توعية وحماية الناس». ولكن لا جدوى من النقاش ففي مشهد درامي موجع يحاول نجيب محاولة أخيرة إقناع أخيه رشيد بالقول «أنا مش مثلك يا رشيد أنا مرات بحسدك.. يا ريت كنت مثلك».
عشقتها مرتين
تروي المسرحية سيرة نجيب نصار، مثقف عربي المشابهة لحد بعيد سيرة الكاتب الصحافي أكرم زعيتر، الذي قاتل هو الآخر بكل قطرة دم كي يحول دون سقوط فلسطين بين مخالب الذئاب في شروط مستحيلة . تبرز المسرحية مثابرة نجيب نصار على التنوير حاملا مصباح المعرفة والتعبئة طيلة 30 سنة، ولم ينل منه اليأس لدرجة أنه وبعدما سرقوا له بدلته الوحيدة ظل يذهب لمكتب «الكرمل» مرتديا البيجاما. لكن مصادقة الأمم المتحدة على قرار التقسيم وظهور ملامح النكبة عام 1947 ضعّفت نجيب نصار واستوطنه شك ظل يصده فترة طويلة حتى مات في مطلع 1948 وقبل أن ترى عيناه ما خاف منه. وأخطر ما عكسته هذه المسرحية التي تمسك طرفي عصا الأمل واليأس، هو تكرار القصور الذاتي لدى الأجيال المتعاقبة من القيادة السياسية لفلسطين. وعن ذلك قال نجيب نصار كلمات موجعة في لحظته الأخيرة، وهو على فراش الموت، وبلغ تألق عامر حليحل في دوره وهو يرتجف بكل خلية في جسده خلال بوح مؤلم بالحقيقة التي حضرته في تلك اللحظة المأساوية: «كان أول يوم بنتبه لشو عم بصير حواليّ.. أنا ما كنت شايف اللي بكتب عنه، التشرذم والانشقاق والنزاعات على الكراسي والمصالح الحزبية والشخصية، والبيع وتخاذل والتهاون والعمالة والكراهية إلخ.
شاهدت المسرحية وانفعلت طيلة الـ 70 دقيقة أمام بطولة الصحافي اللبناني – الفلسطيني المدفون وزوجته في الناصرة، وأمام عامر حليحل المدهش الذي أتقن عملية محاكاة هذه الشخصية النادرة المهووسة بحب الصحافة، وعشق فلسطين بعفوية وحرفية وخفة دم كبيرتين. عشقتها مرتين مرة كرمى لنجيب ومرة كرمى لعامر.
لقد «قتل حاله» عامر حليحل في تمثيله شخصية تستحق وهو يعتصر وجعا ويتصبب عرقا كطائر لا يهدأ ولا يتعبه التحليق. انفعلت أكثر فأكثر لأنني شاهدت المسرحية بعيون صحافية تستشعر بوجع العزلة والتطاول والتلويم والخذلان أحيانا.. أحسستها بكل جوارحي وما زلت بين كلمات وخلف السطور . شاهدتها بعيون تعي ما يقال ولا يقال عن مأساة الصحافي المؤمن العاشق السابح وسط بحر التشوه والخلل والتدليس والظلم والفساد في هذه البلاد المعذبة أمس واليوم.