أضحى العالم قرية صغيرة بفضل وسائل التواصل من نشرات الأخبار المتلفزة والإذاعات، وبالتالي لم يعد في كوكبنا من يجهل تفجير ثلاث كنائس وعدة فنادق فخمة في كولومبو عاصمة سريلانكا منذ أسابيع كما في سواها من المدن هناك، والتفجيرات كلها في وقت واحد، بل وفي يوم عيد الفصح بالذات، حين كانت الكنائس تعج بالمصلين المسيحيين، والفنادق تزدحم بالسياح الذين صاروا يتدفقون على سريلانكا، كذلك الرجل (أغنى رجل في الدانمارك) وزوجته مثلاً وقد فقدا ثلاثة من أولادهما الأربعة وكانوا في إجازة سياحية في سريلانكا! أي تم أيضاً ضرب صناعة السياحة هناك وما تدره من المال على الوطن.
مذبحة «داعشية» يدفع ثمنها المسلم
انقضت أسابيع على ذلك، وبلغ عدد قتلى تلك التفجيرات 350 ضحية حتى لحظة كتابة هذه السطور، وفاق عدد الجرحى 500 بعضهم حالته خطرة.. وأعلنت «داعش» مسؤوليتها، والمأساة أن الكثير من الشعوب تخلط بين الإرهاب «المتأسلم» والمسلم الحقيقي الذي لا يؤذي أحداً ويريد الحياة بسلام في أي مجتمع وجد فيه. وهكذا شاهدت أيضاً على شاشة التلفزيون ذلك الجامع في عاصمة سريلانكا وقد وقف أمامه مسلمون يبدون مخاوفهم من الاعتداء عليهم كردة فعل على مذبحة الكنائس والفنادق، ويقولون إن الكثيرين يرمون الجامع بالحجارة! والتفجيرات؟
بعد المذبحة بيومين جاءت عاملتي المنزلية (مسلمة من أصل جزائري) باكية، فقد اعتدى عليها أحدهم في المترو (قطار الأنفاق الباريسي) إذ انتزع عن رأسها حجابها وضربها بزجاجة نبيذ على عنقها ثم قفز من المترو قبل أن يغلق أبوابه هارباً.
لا للقتل العشوائي باسم الإسلام!
الاعتداءات على المسلمين والمسلمات ليست أمراً جديداً، إذ يتهم بأي عمل إجرامي «داعشي» كل مسلم ويجري إيذاء من هم في الغرب. ولن ننسى كمثال على ذلك، الفيديو حول طرد محجبتين من مطعم باريسي لمجرد أنهما ترتديان الحجاب، وقال لهما صاحب المطعم خلال طردهما: كل مسلم إرهابي.
وكان ذلك قبل أعوام، لكن الأمر يتكرر بمزيد من التعنيف العلني وباستمرار، عاماً بعد آخر، تفجيراً بعد آخر، وذلك الأسترالي الذي نزع حجاب مسلمة في ضواحي مدينة «بيرث» الأسترالية هو الأخ الروحي لمن قام منذ أسابيع بالمجزرة في مسجدين، حيث قام يميني متطرف بإطلاق النار عشوائياً على المصلين في مدينة (كريست شيرش)، وقال القاتل إنه أراد «توجيه رسالة (للغزاة) بأنهم ليسوا في مأمن» أينما كانوا، وأعلن قاتل المسلمين تأثره بالرئيس ترامب! يومها وقفت رئيسة وزراء نيوزيلاندا موقفاً مشرفاً جداً من هذه المذبحة وتعاطفت مع القتلى وعائلاتهم. ولكن سلسلة قتل المتطرف الكاره للمسلم المسالم ما تزال مستمرة كحلقات جهنمية، واحدة تستدعي الأخرى في مسلسل لفيلم رعب ديني.
يخشون المسلم وبالتالي يكرهونه!
ولا بد من الاعتراف بأن موجة من الكراهية للمسلمين تتنامى يوماً بعد آخر. وإذا كان البعض في كاليفورنيا الأمريكية قال للمسلمين: «احزموا حقائبكم وارحلوا» فإن الأمور لم تتحسن اليوم بل تزداد سوءاً. وهكذا نجد أمريكياً يرفض طاعة شرطية أمريكية لأنها مسلمة!
ونلاحظ أن الكثير من الاعتداءات «الإسلاموفوبية» تطال النساء، كان المعتدي يتوهم أن المسلمة الأضعف والاعتداء عليها يتيح له تفريغ حقده دون أن يخشى ردة الفعل، ويتوهم أن الدين الإسلامي روض المرأة وعودها على أن تُضرب ويجهل أن ذلك الدين هو الذي منع وأد النساء الذي كان يتم في الجاهلية.
كيف نكسر مسلسل المذابح؟
سيظل «المتأسلمون» يعتدون على المسيحيين والعكس صحيح، إلا اذا استطعنا إعلامياً إلغاء ذلك الخلط بين الدين الإسلامي الحنيف والذين يؤذون الآخرين باسم الدين.
بينهم من يزعم أن الإرهاب هو من صلب القرآن الكريم وتعاليمه ولعلهم لم يطالعوا الآيات الكريمة التي تقول:
«ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»
«لا إكراه في الدين»
ثم إن القرآن الكريم لم يطالب بقتل المسيحيين، بل العكس، وجاء قوله تعالى: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون». وبالتالي فالإسلام الحقيقي بريء من تلك الأفعال الإجرامية الداعشية ومن ردود الفعل المشابهة عليها. ولعل علينا كمسلمين التنصل من أفعال المتأسلمين بصورة علنية جداً، حتى في خطبة الجمعة في المساجد.
حريق كاتدرائية نوتردام اقترفه المسلمون؟
حين اندلع الحريق في كاتدرائية نوتردام الباريسية وتصادف أن كنت في ذلك الحي ومشيت لأرى مصدر النار والدخان ووجدتـــــني بين مئات الذين وقفــــوا لمشاهدة ما يدور… سمعت أحد الواقفين قربي يقول لآخر: إنه تفجير من إجرام المسلمين!
وأعترف أنني خشيت أن يكون وراء إحراق ذلك الصرح التاريخي «متأسلم مجرم» يسيء إلى سمعة الدين الإسلامي الحنيف.. وارتحت حين علمت أن أصابع الاتهام موجهة إلى الذين يقومون بأعمال إصلاح أحد أجنحة الكاتدرائية التاريخية وإلى إهمال ما..
وأعترف أيضاً أنه ما إن يحدث عمل إرهابي أو انفجار حتى أخشى أن يكون الفاعل «متأسلماً» يقوم بذلك تحت شعار الإسلام الحنيف. يبقى أن تعلن المراجع الإسلامية رفضها واشمئزازها وحزنها أمام أي حادث إرهابي يودي بحياة الناس كما حدث مؤخراً في سريلانكا!! وقد يتكرر في مكان ما لحظة كتابة هذه السطور!!