في أعقاب الجولة الغزية الأخيرة يجب النظر إلى الوراء ومراجعة تسلسل الأحداث التي أدت إلى تآكل الردع الذي تآكل لدرجة أن الفلسطينيين في غزة يبادرون بإطلاق الصواريخ على الجبهة الداخلية في إسرائيل.
لم يبدأ التآكل في نهاية آذار 2018 ـ حين بدأت انتفاضة الجدار ـ بل عندما قررت السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن إغلاق قناة تحويل الأموال إلى غزة في صيف 2017. لذا قلصت إسرائيل كمية الكهرباء التي توردها إلى القطاع، وأدى هذا إلى تدهور الوضع الإنساني. اختارت إسرائيل التعاون مع المبادرة بتوصية جهاز الأمن. وزراء، بمن فيهم وزير الدفاع ليبرمان، اعتقدوا أن هذا رائع ـ المهم أن تتقلص الكهرباء لغزة.
كان أفراد، أبرزهم يوفال شتاينتس، عارضوا تعاون إسرائيل مع خطوة أبو مازن. استغرق وقت للفهم بأن رئيس السلطة الفلسطينية معني بتدهور الوضع باتجاه الحرب. فقد أمل أبو مازن بأن تساعده إسرائيل في أن يصفي أو تضعف حماس. كل تاريخ السنة الأخيرة مع غزة هو قصة مفهوم جهاز الأمن الذي يسود منذ سنوات عديدة: يجب العمل بالتعاون مع أبو مازن لمكافحة حماس. بقايا هذا المفهوم يمكن أن نسمعه بين بعض محللي الأمن، الذين أصبحوا جزءاً من جهاز الأمن، ومن جانب الناطقين بلسان حزب العمل ـ بشكل عام نواب سابقون لديهم الكثير من الوقت للحديث.
الأساسي في هذا المفهوم يكمن في التطلع الذي يقف على رأس اهتمام جهاز الأمن لإحلال الهدوء وتحقيق التهدئة. هذا هو السبب الذي جعل قيادة الجيش الإسرائيلي تتجاهل إطلاق الطائرات الورقية الحارقة وبعد ذلك البالونات الحارقة. تحت قيادة رئيس الأركان كوخافي، غير الجيش الاتجاه وباتت ردوده أكثر هجومية.
لما كان الكثير من المحللين لا يفهمون ما هي خيارات معركة غزة يمكن أن نقول أمراً واحداً: إذا لم يتطلع الجيش الإسرائيلي، بإسناد من القيادة السياسية، في كل مرة لاحتواء نار الصواريخ كي يصل بالسرعة الممكنة إلى التهدئة فإن النتيجة على الأرض ستتغير.
في الجولة الحالية عمل الجيش الإسرائيلي بطريقة أظهرت بأنه لا يسعى إلى وقف النار؛ فقد نفذ الجيش ارتفاعاً سريعاً في الدرجة: دمر منازل مخربين واتخذ التصفية المركزة.
في أعقاب نار قناص الجهاد الإسلامي صفى الجيش الإسرائيلي ثلاثة مخربين. كل ذلك، في عمل دقيق، شبه نقي، منح نتنياهو تأييداً جارفاً لقادة الاسرة الدولية. تعرض الفلسطينيون لتدمير واسع وعميق للبنى التحتية ولم ينجحوا حتى في تسريب صورة واحدة لأطفال ونساء إلى قنوات الاتصال الدولية. نعم، هذا إنجاز.
آخرون انتبهوا هذا الأسبوع إلى أن مصر لا تهتم بوقف نار حماس والجهاد الإسلامي. فماذا يهمهم أن يطلق العرب النار على اليهود؟ المصريون يكشرون للفلسطينيين حين يخشون من أن تشذ إسرائيل عن قوة ردود أفعالها، لدرجة احتمال الدخول البري للقطاع.
في القاهرة لا يريدون أن يروا هروباً للسكان من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية في شمال سيناء. كما أن هذا كان رافعة للجيش الإسرائيلي أدت إلى وقف مفاجئ للنار فجر الإثنين.
عيون مفتوحة على مصراعيها
من لم يرَ في الفلسطينيين عدواً، يجدهم في الطريق إلى التوازن الاستراتيجي.
لا يمكن القول إن لدى نتنياهو حلاً لغزة، ولكنه في وقفة أخرى تماماً تجاه ناقديه، بمن فيهم جدعون ساعر. فهو على الأقل لا يؤمن بالحلول العابثة.
في أيار 1967 كاد كل رجال اليسار ممن يحترمون أنفسهم يأخذون السفير السوفياتي في إسرائيل، تشوبخين، في جولة إلى الشمال، في الطرق، في الوديان، لشواطئ الأردن، تحت ظل الأشجار.
من أجل أن يرى الاشتراكي المخلص، مندوب القوة العظمى التقدمية، زعيمة حركة السلام الدولي، بأنه لا يوجد حشد لقوات الجيش الإسرائيلي أمام الحدود السورية. كوبا ريفتين تجول معه.
موشيه سنيه كان هناك. وحتى يهودا ارئيل، كما يتبين الآن، أخذ تشوبخين ليريه بأنه لا يوجد اي سبب للتوتر، لأنه لا يوجد أي حشد للقوات.
من خلف جولات الشمال هذه اختبأت السذاجة الكبرى: إذا أخذنا تشوبخين في جولة، سيبلغ الكرملين حسب روايتنا وكل شيء سيتدبر في أمره بسلام. المشكلة هي أنه في 1967 كانت هذه سذاجة طرية مثل الجبنة.
منذئذ، مرت على جبنة النخبة الإسرائيلية سنوات طويلة تحت الشمس، فحمضت وعفنت وأصبحت غباء، نزعة شريرة. إذا كان درس من 25 سنة أوسلو فهو أنه لا يمكن الوصول إلى تسوية حقيقية مع جهات إسلامية. وتحديداً مع الفلسطينيين. عندما يواصل محبو أبو مازن التجلد في صالحه كي يقدموا له قطاع غزة على طبق حملة عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق، لا يمكن إلا العجب. هذا هو التحالف بين أمنون ابراموفيتش وتسفيكا هاوزر: أولاً «تجريد»، بعد ذلك «ترميم»، وعندها عودة إلى ربط الضفة الغربية وغزة في كيان واحد.
مشكوك أن يقتنع تشوبخين.
إن أصل المشكلة يكمن في الصلاحيات عديمة الأساس لرئيس الوزراء اسحق رابين في حينه. فلا يدور الحديث فقط عن اتفاقات أوسلو بل عن استخفاف رابين في أن يكون الفلسطينيون عدواً. ويمكنهم أن يكونوا عدواً يحقق أمام إسرائيل توازناً استراتيجياً. وانتقل المفهوم إلى عقول معظم جنرالات الاحتياط، ولشدة المفاجأة، في جولة من ثلاثة أيام قتالية فإن الجهة الأقل رسمية، كانت مجموعة من الجنرالات ورؤساء الأركان المتقاعدين.
ظهر يوم الأحد نشر مستشار الأمن القومي لترامب، جون بولتون، بياناً عن انتشار القوات البحرية والجوية لإيران، وأعلن بأن الولايات المتحدة ستضرب كل من يهددها ويهدد مصالحها ومصالح حلفائها.
إسرائيل شريكة في الصراع ضد إيران، ومقبول في أوساط المقدمين بأن الجهاد الإسلامي يخدم المصالح الإيرانية، إذن لم لا يستثمر الإيرانيون 100 مليون دولار وربما 200 مليون دولار في حماس؟
لما لم يفكر رابين في أن يكون بوسع حماس أن تهدد بشل الحياة في أجزاء من إسرائيل بالصواريخ، ولما كان مواصلو دربه، بمن فيهم اريك شارون، لم يتصوروا أن يتواصل التعاظم منذ إطلاق صاروخ القسام الأول في العام 2001 ـ من الأفضل أن نتعاطى مع مشكلة غزة بجدية أكبر من الشكل الذي تنعكس فيه في وسائل الإعلام.
ابتداء من جولة هذا الأسبوع، معقول أن يجس الطرفان نبضهما مع المعرفة بأن يسبق كل طرف العدو بضربة مفاجئة، وهذه المعرفة قد تجبر إسرائيل على أن تبحث عن فرصة لفتح معركة أوسع في وقت أبكر مما كانت تريد.
أمنون لورد
إسرائيل اليوم 10/5/2019