معرض استعادي لناجي العلي في الدوحة: سأفضح هذا الواقع العربي!

حجم الخط
0

‘ الدوحة من ـ يوسف بو زية: تصيبك الدهشة لقدرة ناجي العلي في رسم المفارقات، ولمهارته النادرة في تبسيط المعقد وتعقيد البسيط. تصيبك الدهشة، يتبادر إلى ذهنك بيت مشهور من قصيدة الأرض اليباب يقول: سأريكم الخوف في حفنة من الغبار. لأنه يرسم بأبسط الوسائل وأرخصها أعقد الأشكال وأكثرها سخونة وإرباكاً، وناجي قال على كل حال بريشته كل ما يمكن للكلمة أن تقوله.. مضروباً بثلاثة، خسارة غيابكم، عن المعرض الاستعادي الأول من نوعه في الدوحة الذي احتضنه غاليري بيسان.. التجول في هذا المعرض يعني التجول في نار السخرية التي أوقدها العلي بشعلة مواهبه. فهو معرض متنقل و’ناطق’ يحتفي، أقسم، بأحد أعظم رسامي الكاريكاتير وأصدقهم وأجملهم منذ اختراع الكاريكاتير (أرجو من النقاد ألا يتدخلوا).. ورغم أن اللوحات المعروضة لا تشكل سوى حفنة بسيطة من أعماله الغزيرة، فقد قدم هذا المعرض لرواده لمحة حقيقية عن سيرة ناجي الغنية المبدعة. كان ناجي غزير الإنتاج فعلا، وترك أكثر من 400 لوحة وثلاثة كتب، من بينها سيرة ذاتية، أو شبه ذاتية. وتهيمن على معظم رسومه (بالطبع ليس كلها) زاوية نظر حادة ورؤية فنية مبدعة. والسخرية هي الدم الذي يجري في عروق هذا الفنان، الشرس، السلس، المتشائل، الذي كان يحمل من الأفكار أكثر مما لديه من الأدوات، والذي على الرغم من بعده الإنساني العام وعمقه الجديرين بكل إعجاب، فقد ظل صريح الانتماء الى البيئة التي ولد وعاش فيها. قد ولد في ‘الشجرة’ وعاش في المخيم، أليس هو المكان الأنسب لصياغة رؤاه الفنية الصاخبة وترجمتها، حرفياً، إلى لوحات هي بصقات من الدم والغضب؟ لا.. لم تكن رسوم ناجي موجهة ضد أحد بقدر ما كانت موجهة في الواقع ضد أنظمة غارقة في سيل من الوحل الرجعي، ورسومه تعكس أجواء من التعاسة والأمل: أجساد معبأة بالثقوب عائدة لمدنيين على شوارع يعلوها الخراب، مسوخ بشرية مفلطحة توحي بالدناءة والعجز. إنه يمارس حقه المهني (والإنساني) في ‘تعرية الحياة بكل معنى الكلمة’.. ولو بقيت حياً ـ هكذا يقول – سأفضح هذا الواقع العربي الرسمي على حيطان العالم العربي كله إن لم أجد جريدة. وذات يوم، أطلق رجل مجهول (معروف) الهوية النار على ‘رأس’ ناجي في ‘قلب’ لندن، فأرداه، فأراحوه واستراحوا.. لقد مارس هذا الفنان، ‘البسيط كرغيف الخبز والمعقد كجهاز رادار’، من خلال إشعاعه الفني وعبر لوحاته الغرائبية، في حياته وبعد موته، تأثيراً بعيد الشأو على رسامي الكاريكاتير الذين ما تزال أعماله محط أنظارهم، وإن هذه الخطوط البسيطة (غير البسيطة) والبليغة لن تفقد سحرها الخاص. ففي فن الكاريكاتير، كما في الفنون الأخرى، لا يدوم سوى الأصيل.. ولهذا كفل ناجي لنفسه أن يكون له دائماً نظار، ففي رسومه يجدد إيماننا بما نؤمن، ولن يفقد هذا الفن جمهوره يوما، لأن صاحبه لن يتوقف أبداً عن دوره في هندسة مزاجنا الوطني..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية