بغداد-“القدس العربي”:عززت تصريحات ومواقف رسمية عراقية وأجنبية، المخاوف من أن ظاهرة تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي في العراق والمنطقة والعالم، مستمرة رغم الإعلان عن تحرير كافة المناطق التي كان التنظيم يسيطر عليها.
وإضافة إلى التصريحات المختلفة عن توجهات التنظيم المتشدد المستقبلية، يتابع العراقيون بقلق تزايد مساحات الأخبار التي تتناول نشاطات التنظيم أو حملات الملاحقة الأمنية التي تقوم بها القوات العراقية ضده، وذلك بالرغم من إعلان بغداد في كانون الأول/ديسمبر 2017 انتهاء سيطرة “داعش” على الأراضي التي كان يحتلها.
وخلال زيارته إلى باريس مؤخرا، أقر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، انه “ما زالت هناك أعداد كبيرة من الخلايا النائمة التابعة لتنظيم داعش في العراق، وانه يحاول العودة بكل الطرق” مشيرا إلى الخطاب الأخير لقائد التنظيم البغدادي الذي يؤكد استمرار خطر “داعش” في العراق وأماكن أخرى من العالم.
وعزز زعيم ائتلاف الوطنية أياد علاوي، المخاوف من تضاعف الإرهاب في المرحلة المقبلة، عندما حذر من أن “أزمة الإرهاب ستتضاعف وأجيال الإرهاب ستستمر والفكر التكفيري لم يهزم إلى حد هذه اللحظة” داعيا إلى “عقد مؤتمر إقليمي للأمن والسلام يضم إيران وتركيا” مشددا على أن “هذا المؤتمر لا بد منه”.
وزارة الدفاع العراقية أشارت إلى كلمة أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم “داعش” الأخيرة، بان الهدف منها هو “إعادة التنظيم وبث الروح المعنوية من جديد وتعيين ولاة وأمراء عوضاً عن الذين فقدهم” منوهة إلى أن “الاستراتيجية الجديدة للتنظيم، تركز على حرب الاستنزاف، والدعوة إلى مهاجمة المقرات العسكرية والاقتصادية والأهداف اللوجستية”.
وفي المقابل تعتمد خطة السلطات العراقية لمواجهة التنظيم، عدة اتجاهات منها التركيز على الجهد الاستخباري في ملاحقة خلايا التنظيم النائمة في المدن ومنع تشكيل خلايا جديدة له، والسعي لتأمين المناطق الحدودية مع سوريا بالتنسيق مع دمشق، وتنفيذ عمليات نوعية لاقتناص بعض قياداته أو اعتقالهم اعتمادا على الجهد الاستخباري والمعلومات التي تحصل عليها من عناصر التنظيم الواقعين في الأسر، إضافة إلى حملات متواصلة لتمشيط المناطق النائية التي يتوقع تواجد عناصر التنظيم فيها وخاصة في صحراء الأنبار وجبال حمرين بين ديالى وصلاح الدين ومناطق من كركوك والموصل.
ويشير بعض العسكريين العراقيين، إلى أن تكرار عمليات القوات الأمنية منذ سنوات وحتى الآن، في ملاحقة عناصر التنظيم في العديد من المناطق الصحراوية والنائية ستؤدي بالنتيجة إلى استنزاف القوات المسلحة، وأصبحت أشبه بلعبة القط والفار، حيث يلجأ عناصر التنظيم إلى الفرار وعدم مواجهة القوات الحكومية أثناء حملات تمشيط المناطق ولكنهم يعودون إليها بعد انسحاب القوات منها، كما يلجأون إلى أسلوب الكر والفر في هجماتهم.
ويقدر تقرير تقصي الحقائق الذي أعده البرلمان العراقي الشهر الماضي، نقلاً عن مصادر عسكرية أن هناك 650 مسلحاً في جنوب وغرب نينوى فقط، وإن 400 مسلح، على الأقل، دخلوا نهاية العام الماضي إلى الموصل هاربين من سوريا، إضافة إلى مئات منتشرين في المناطق الأخرى.
ولا يمر يوم إلا وتعلن القوات العراقية عن قتل أو إلقاء القبض على المزيد من عناصر التنظيم وتفكيك خلاياه وشبكاته وكشف المزيد من مضافاته ومقراته المؤقتة والعثور على أسلحة فيها، وهي المقرات التي تركها التنظيم وراءه عند انسحابه أمام هجمات القوات الحكومية.
وكشفت إحصائية لمجلس القضاء الأعلى ان عدد الإرهابيين الأجانب ومن مختلف الجنسيات المرتبطين بتنظيم “داعش” الذين اتخذت السلطات القضائية العراقية بحقهم الإجراءات القانونية بلغ 810 إرهابيين خلال عامي 2018 و2019 عدا من تم قتلهم أو الذين ما زال التحقيق معهم مستمرا.
والمثير للقلق، انه رغم الحملات العسكرية المتواصلة والجهد الاستخباري الكبير في ملاحقة عناصر التنظيم، فقد لوحظ في المقابل تنامي أعداد الخروق الأمنية والعمليات الإرهابية ووقوع ضحايا في مناطق العمليات، وخاصة في المناطق الزراعية الكثيفة والقرى النائية والوديان الوعرة، من خلال قيام عناصر التنظيم بالتفجيرات الانتحارية ومهاجمة نقاط أمنية منتشرة، أو مهاجمة قرى بعيدة أو قصفها بقذائف الهاونات وزرع العبوات الناسفة ونصب الكمائن على الطرق الخارجية، مع اختيار أوقات الليل لتنفيذ أغلب تلك العمليات، وذلك في محاولة لإثبات التنظيم وجوده وقوته.
ولعل مؤشرات تصاعد المخاطر الإرهابية في المنطقة العربية والعالم هي التي جعلت التعاون الدولي مع بغداد في هذا الإطار يتواصل بلا توقف. وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو الذي زار العراق، عن “مواصلة بلاده الضغط على جميع خلايا داعش في كل مكان، وأنها لن تسمح له باستعادة خلافته ونفوذه غربي العراق أو شرقي سوريا”.
ومع مواصلة الوفود العسكرية الأمريكية والدولية توافدها على العراق للتنسيق في مواجهة التنظيم، فإن الطائرات الأمريكية مستمرة في تنفيذ غاراتها، وآخرها غارات نفذتها مقاتلتان أمريكيتان من طراز (إف 35 إيه) ولأول مرة في العراق على مواقع للتنظيم جنوب محافظة كركوك.
ويدرك العراقيون أن قلقهم من تصاعد العمليات الإرهابية لتنظيم “الدولة الإسلامية” له مبرراته على أرض الواقع، حيث توجد عوامل مشابهة لما كان الوضع عليه عند بروز التنظيم لأول مرة عام 2014 منها الفوضى والصراع السياسي على المكاسب وإهمال إعادة إعمار المناطق المدمرة ووجود مشاعر الظلم والتهميش والاحباط لدى شريحة واسعة من العراقيين، إضافة إلى تطورات الصراع الدولي وخاصة في الملف الإيراني الأمريكي وما يتركه من تداعيات تسهم بالتأكيد في إنهاء نشاط التنظيم الإرهابي أو تصعيده.