مكونات الحكي في مجموعة «خلف جدار الذاكرة» للمغربي سفيان البراق

الموت استدعاء للذاكرة

تتكون المجموعة القصصية «خلف جدار الذاكرة» من إحدى عشرة قصة. استهل الكاتب سفيان البراق مجموعته بعد الإهداء وقولة لعبد الرحمن منيف بمديح في الذاكرة فكان أول سطر منها «الذاكرة وهمٌ ينطلي عليك» تسوقنا هذه العبارة إلى قصة «أحلام مراهق» في المجموعة، فذاكرة بطل القصة متقطعة لا يسترجعها «مصطفى» أبدا، بدليل بعد تغير أحواله المادية لم تعد ذاكرته تتصل لا بالوطن ولا بأصدقائه، ولم يحاول العودة لبلده، شكّلت ذاكرة «مصطفى» قطيعة مع ما عاشه سابقا وكأنه يتنصّل من حالته الأولى في مصر، كأن ذاكرته وهم لم ينطلِ عليه، وفي الوقت نفسه فقد اهتمت ذاكرة مصطفى بجانب السعادة لا التعاسة «تذكر سعادتك قبل أن تتذكر شقاءك» «ولكنه نسي بلاده والمقهى الذي كان يشتغل فيه، ربما حذفَ ذكرياته، أو حُذِفَت رغمًا عنه. الذكريات تنمحي مع مرور الزمن».
وفي قصة «ذكريات أرض منسية» نجد بأن الذاكرة أو «الذكريات رشوة خاطر ضاق به الفضاء» «عباس» ضاق بفضائه الذي يعيش فيه ليعود إلى أرضه التي هجرها منذ عشرين سنة، يبحث عن مجهول ليصبح من أثرياء البلاد بسبب أرضه التي هجرها سابقا.

ثيمة الموت في المجموعة القصصية:

«الذاكرة عالم أكثر كمالاً من الواقع، إنها تعيد الحياة لأولئك الذين لم يعودوا بيننا».
تشغل ثيمة الموت في المجموعة القصصية حيز خمس قصص نجدها في «ذاكرة الحب» «حب قاتل» «رفيقة العمر في المستشفى» «قطعة من جمرات الوطن» «ذاكرة أحلام ميتة»، ولو أن الفقد مجهول سببه في القصة الأخيرة «ذاكرة أحلام ميتة»، هل هو موت أو اختفاء مفاجئ، أو طرد تعسفي من قبل زوجة عم «كوثر»؟ إلا أن الفقد توأم الموت أيًّا كانت الأسباب.. يمكن أن نستنتج بأن الموت يشكل حافزا للذكريات التي يسترجعها السارد في القصص المذكورة سابقا، فتنبني قبل الموت حياة جميلة حالمة، وبعد الموت تستيقظ الذكرى موغلة في الشوق والحرمان ممن شغلوا الحياة سابقا ويشغلون الذكرى حاليا.

أسلوب الكتابة

إن أسلوب الكتابة في مجموعة «خلف جدار الذاكرة» هو أسلوب تقريري يميل للغة بسيطة، وتتخلل هذه اللغة مجموعة من الأخطاء اللغوية والنحوية والتعبيرية، التي بإمكان الكاتب الشاب سفيان البراق تجاوزها مستقبلا بالقراءة المستمرة. أما الرؤية السردية التي جسدت معظم القصص في المجموعة فهي رؤية من الخلف، أي السارد العالم بخبايا الشخصيات ماضيها وحاضرها ومستقبلها. أما شكل السرد فيتخذ سردا متسلسلا يقوم على التتبع لترتيب متدرج لوقوع الأحداث، أي نظام خطي في تصور الزمن.
في قصة «موت بطيء» تتجلى السخرية الموظفة في السرد من الواقع الذي يصوره السارد في بطل القصة المصاب والملقى على الأرض، جراء حادثة سير في انتظار لقدوم سيارة الأسعاف. تجلت هذه السخرية في معيقات تَوَفُّر خدمات المجتمع المدني للفرد، أو انعدامها أحيانا فتجعله يموت موتا بطيئا كما يقول السارد: «لأنَّك كنت تدري مُسبقاً أنَّ سيارة الأسعاف حتى لو حضرت في الوقت المُناسب، فالطبيب لن يحضر في الوقت المناسب، ولو حضَر الطبيب في الوقت المناسب، فلن تحضر العدّة، ولو حضرت العدّة في الوقتِ المُناسب، فلن…» ثم في موضع آخر يقول السارد: «أنتَ الآن آلةٌ مُعطلة، رُميّت بعد طول وسوءِ استخدام» كأن المرء بعد حادثة ما قد تؤدي به للشلل أو الإعاقة، تُحَدُّ وظيفته فيصبح غير نافع أو غير فعّال في مجتمعه ووسط أهله، رغم أن للمعاق حياةً أفضل في مجتمعات أخرى غير مجتمعاتنا. نجد السخرية في قصة «خلف جدار الذاكرة» كذلك من خلال مقارنة الطالب مراد لأوضاع بعض أساتذة الجامعة والطلبة، والتناقض القائم بين المثقف وأخلاقياته، وسنحدد تفصيلا خاصا لتناقض هذه الشخصيات في المحور الثالث من هذه القراءة.

يشكل الفضاء في المجموعة القصصية فضاءات متعددة كما صنّفها حسن بحراوي ففي أماكن الإقامة الاختيارية هناك فضاء «البيت» الذي يتكرر سبع مرات في المجموعة، ولكن من دون وصف دقيق يوحي بقيم الألفة الإنسانية التي تكمن فيه، وتمثل جوهر فكرة البيت.

الفضاء:

«بدون الذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع المكان». يشكل الفضاء مكونا من مكونات السرد فهو فضاء لفظي يوجد من خلال اللغة، لا يوجد إلا من خلال الكلمات المطبوعة في الكتاب، ويتشكل كموضوع للفكر بجميع أجزائه ويحمّلهُ الكاتب طابعا مطابقا لطبيعة الفنون الجميلة ولمبدأ المكان نفسه. حيث إن كل قصة تقتضي زمانا ومكانا محددين، كون أن الفضاء هو البؤرة الضرورية التي تدعم الحكي.. ونظرا لارتباط المكان بزمن القصة فإنه يقيم صِلات وثيقة مع باقي المكونات الحكائية في النص وفي مقدمتها علاقة المكان بالحدث والشخصيات التخيلية. وبالتالي ظهور الشخصيات ونمو الأحداث، يساعد على تحديد بناء المكان في النص وتتشكل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال، وبالتالي فالمكان مرتبط بخطية الأحداث السردية، إذن فهو المسار الذي يتبعه اتجاه السرد. هذا الترابط الإلزامي بين الفضاء والحدث هو الذي يمنح للنص تماسكا وانسجاما .
يشكل الفضاء في المجموعة القصصية فضاءات متعددة كما صنّفها حسن بحراوي ففي أماكن الإقامة الاختيارية هناك فضاء «البيت» الذي يتكرر سبع مرات في المجموعة، ولكن من دون وصف دقيق يوحي بقيم الألفة الإنسانية التي تكمن فيه، وتمثل جوهر فكرة البيت. فإن معظم النصوص في المجموعة لم تسع إلى أكثر من رسم صورته الخارجية صارفة النظر عن السمة الجوهرية، التي تعطي للبيت دلالته وهي رؤية ساكنه له ووعيه به. أما فضاء «المنزل» فيتكرر تسع عشرة مرة، إذ هناك اختلاف بين «البيت» و»المنزل.»
نجد في المجموعة فضاءات أو أماكن الانتقال العمومية المتجسدة في فضاء الأحياء، تحديدا في قصة «أحلام مراهق» حيث تتم عملية الانتقال من البيت الذي يتقاسمه «مصطفى» مع رفاق عمله إلى حي راق. وأماكن الانتقال العمومية نفسها نجدها تتكرر في قصة «ذكريات أرض منسية» مع بطلها «عباس» الذي انتقل من المجال الحضري (حي شعبي) إلى مجال الأثرياء (حي راق). ونجد فضاءات أخرى كالمستشفى يتكرر في المجموعة تسع مرات، الذي تؤول معظم شخصياته إلى الموت، وأماكن الانتقال الخصوصية كفضاء المقهى الذي يتكرر في نصوص المجموعة بنسبة اثنين وعشرين مرة، لما يُضْفيه هذا الفضاء من رؤية تجسد نوعا من الانتظار غير المعلن لدى السارد.

الشخصيات:

الشخصية محور أساسي في الفعل السردي. وقد وضع حسن بحراوي ثيبولوجية الشخصية في ثلاثة أصناف:
1. نموذج الشخصية الجاذبة، وهي: الشيخ، والمناضل والمرأة.
2. نموذج الشخصية المرهوبة الجانب، وهي: الأب، والإقطاعي والمستعمر.
3. نموذج الشخصية ذات الكثافة السيكولوجية، وهي: اللقيط، والشاذ جنسيا والشخصية المركبة.
فنجد أن نموذج الشخصية الجاذبة يتكرر في صورة المرأة في نصوص المجموعة، تحديدا في قصص «ذاكرة الحب»؛ «حب قاتل»؛ «رفيقة العمر في المشفى»؛ «ذاكرة أحلام ميتة» تتكون هذه الصورة في الشكل المظهري، ما يؤهل المرأة القيام كبؤرة للإغراء، ومصدر لخلب ألباب الناظرين، وأحيانا يتخذ هذا الإغراء مظهرا روحيا يتجلى في قصة «ذاكرة الحب»، حيث إن بطلة القصة، رغم إعاقتها أُغْرِم بها البطل لأنها كانت أجمل ما رأت عيناه يقول السارد: «حينها علمتُ عِلْمَ اليقين أنّ تلك المُعاقة الجميلة ذات الصوت الرنّان أنّها تَحْمِل بين ضلوعِهَا بحراً من الإنسانية». أما الشخصية ذات الكثافة السيكولوجية فنجد مثالا لها ضمن المجموعة في الشخصية المركبة التي تعاني من تناقضات مع محيطها وتعجز عن إقامة علاقات عادلة مع الآخرين.
فالشخصية المركبة هي نتاج مشاعر معقدة تجعلها تعيش ازدواجية أخلاقية واجتماعية تنعكس على سلوكها وتتحكم في المواقف المتعارضة التي تتخذها. تتجسد هذه الشخصية في قصة «خلف جدار الجامعة» في شخصيتي «سليمان « و»إبراهيم»، فـ«سليمان، معالمُ الطيبوبة تعتلي وجهه، رجلٌ مثقف، كان الكل يحترمه، إلى أن رآهُ مراد ذات يوم يُقِلُّ في سيارته المتهالكة فتاة ذات ردفين كبيرتين، وصدر متواز، وشفتين قرمزيتين، وشعر ناعم، ووجهها ملطخ بأنواع مواد التجميل. حينها تساءلَ مراد، سليمان رجلٌ متزوج ولماذا يُقِلُّ هذه الفتاة وما العلاقة التي تجمع بينهما؟» ليتبين في ما بعد أن سليمان رجل خائن «سليمان هو رجلٌ خائن لزوجته، يخونها مع فتاة في مثل عمر أحد أبنائه، كان «قوّاداً» بكلِّ ما تحمل ُالكلمة من معنى ودلالة».
أما «إبراهيم» فكان يعاني من الازدواجية نفسها « ولكن مع ذلك يحب التغزل بالفتيات كان متزوجا، ويتحدث في أمور الدين، يظن الجميع أنَّه رجل متديّن وطيب. ولكنه خبيث، مثله مثل سليمان». إن هذه الازدواجية السلوكية والأخلاقية هي التي ستجعل كلا من «سليمان» و»إبراهيم» يحددا سلوكا معلنا للخارج وآخر خفيا للاستعمال الداخلي، وهي التي أعطتهم صفة الشخصية ذات الكثافة السيكولوجية.
من خلال هذا العرض فإن «خلف جدار الذاكرة» قصص تكشف عن الاختلالات في القيم الإنسانية بكل تدرجاتها الهرمية في المجتمع، قصص تجمع بين الذاكرة والعاطفة؛ الواقعي والعجائبي (في قصة «بويضة خجولة»)؛ تجمع بين الحياة والموت؛ بين الذكرى واللحظة التي نعيشها.

٭ كاتبة مغربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية