في الحرب كما في الحب، أدوخ

حجم الخط
0

في الحرب كما في الحب، أدوخ

عناية جابرفي الحرب كما في الحب، أدوخأتكلم عن بيروت كثيرا، لأنها مدينتي، وتعنيني، ولأن ما يشغل بالها، يشغل بال أغلب المدن العربية الاخري. فلسطين بدرجة اكثر، العراق بدرجات، وما بان او خفي من ويلات في عواصم اخري، لا يعني انها ذات بال أقل انشغالا.سوي ان جو بيروت غريب، محزن وعاصف، ولأول مرة يظلم الأفق الي هذا الحد. الحقد جعل اهل المدينة قسمين خصمين، نري الي كرههما المتبادل. غضب حازم قاس، ورغبات معلنة باقتتال الي درجة الافناء. الهواء الذي نتنشقه توقف ان يكون هواء. غدا دما متخثرا. انتهت المدينة مما كانته لنا، صارت حربا علي قاب قوسين، وفيما ننظر ونراقب هذيانهما، تبددت الثقة في صلح وشيك، او سلام وان بعيدا.تسود حكام وملوك العالم العربي، صفات متراخية ازاء اخطار خارجية، أني أتت وممن، ما ينتج مثل نوع السياسات التي نشهد، حادة وصخرية. الخطابات النارية لهذا الفريق او ذاك كتعبير عن هذه السياسات، تفوق حدة الافعال نفسها، في الاشارة الواضحة الي حلولنا في عالم عربي عنيف، يحدد ويقيس عنفه بمدي جبنه عن الحوار، وكسله عن معرفة الآخر.نثق بحلول حرب لبنانية حثيثة، ليس لها اسم، سوي انها تكون تعبيرا عن الشيء العنيف الذي أشعلها، وجعلها سريعة الالتهاب.حين أواجه بمثل هذا العنف، في الشارع او في مكان العمل، في بعض الكتابات ولدي بعض المثقفين!! في التفاصيل اليومية او من علي شاشة التلفزيون، يصيبني الدوار. الحب ايضا الذي اختلسه من مشهد البحر او مشهد المطر، يصيبني بالدوار، سوي انه دوار السجية ودوار حرارة الاعضاء.ما كتبته لتوي لا يصور بيروت. يعطي فحسب فكرة عنها. اننا نتألم بطريقة موجعة هنا. الحزن يحيط وجوهنا واجسادنا بهالة شاعرية، ويجعلنا اكثر جاذبية، جميلين وانيقين ايضا. ليس بمعني جمال الشكل، ولكن بشيء آخر، شبيه بخليط من قوة ويأس، وصفات اخري عديدة مثل الخجل والدهاء واليأس والانصياع والملل والشجاعة والجبن والخوف والرقة، وقائمة اخري طويلة هي سماتنا الآن، ومحفورة علي وجوهنا واجسادنا، حيث تتداخل وتتصادم وتتعارض.مع ذلك، ثمة من يمتلك هنا، الحيوية والنشاط بالاضافة الي المشاركة والتواطؤ الذي يوحدنا في تآلف سري ضد الموت الذي يوضبونه لنا، وضد امراء الحرب. هو ضرب من الحلف الرقيق يبدو هشا، لكننا مع اقتراب الخطر نعرف كيف نحميه ونعالجه بمزيد الرقة عندنا، بمزيد استدعاء الحياة والتفنن في اغرائها، بمزيد الحب والشعر، وهذا الاخير قوي، قوة لا تباري. سوف نقضي عليكم ، سوف نبيدكم حتي آخر رجل ، سوف ندك المعبد علي من فيه ، هذا الاستخدام اللفظي يشير الي سقوط رجال كانوا يوما اقوياء، هذا الاستخدام يخص ساستنا، ولأنهم جرحوا في ذكورتهم الحقيقية، فانهم يطلقون الموت بعضهم في وجه البعض الآخر، دون خوف او تحسب من لدغة الموت الجماعية، التي تقوض بلدهم الجميل علي من فيه، وليس علي فريق ضد آخر.بيروت اسم انثوي، وتضم الآن اشد التعبيرات ذكورية وعدما وقسوة. ومع انها مدينة فاتنة، اشهي مدينة في خصر العالم، واكثرها قد عرفت قبلا، حمي الألفة الذهبية التي استدعت الاشقاء والغرباء. كل اشقياء العالم سكنوها، وكل المهمشين والمطرودين والموهوبين لاذوا يوما الي عضلاتها، واستراحوا الي خفتها وقوتها. بيروت المغوية تقدم نفسها بكرم للحرب الآن، ما يوافق ويؤكد تماما، الرغبات المعلنة والسرية لساستها، الرغبات التي تستوطن حناجرنا، نحن الناس العاديين، وتؤلمنا كأشد ما يكون الألم.احن شخصيا الي بيروت ما. ليس الي بيروت هذه وقد اصبحت مكانا جغرافيا لا يعني شيئا. أحن الي بيروت التي لم اعرف، فلم انل مجدها السابق، ولا امل لي في مجدها اللاحق. أحن الي بيروت في الجوار والقرب لما يتناقلونه عن ماضيها. ليس في المكان ولكن في الوعي، وفي النماذج الأولية السامية للحرية، وفي بيروت العطوفة حيث كانت حركة تنفس ناسها، تصعد وتهبط بايقاع بطيء، رقيق ومنتظم، حنون وانساني. أحن الي بيروت ما، لا أتعرفها الآن، مع ذلك اكتب عنها، بطريقة عاطفية.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية