إيران، وبعد احتلال العراق من قبل قوات التحالف الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية، عملت جاهدة على تفتيت النسيج الاجتماعي لهذا البلد الذي عاش فيه المسلمون سنة وشيعة بوئام تام، فأرسلت المفخخات إلى المناطق الشيعية تخويفا لهم وصولا إلى دفعهم للاحتماء بها من الخطر السني المزعوم وهو ما نجحت فيه إلى حد بعيد.
إيران اليوم تبدو قلقة جدا من التطورات في العراق والمنطقة بعد ان ظهرت تنظيمات إسلامية جهادية مسلحة وقوية تستطيع الوقوف في وجه ميليشياتها الطائفية، وهو ما هدد النفوذ الذي عملت جاهدة من أجل ترسيخه، ليس هذا فقط بل ان حدودها باتت اليوم مهددة من خطر انتقال هذه الفصائل الجهادية بأسلحتها إلى داخل الأراضي الإيرانية والقيام بعمليات عسكرية تهدد أمنها الداخلي وتعمل على تشكيل خلايا مقاومة ايرانية يمكن ان تحرج نظام الملالي الذي يحكم بالحديد والنار.
هذا القلق هو ما يفسر سرعة إدانة إيران الرسمية وعلى لسان المتحدثة باسم الخارجية الإيرانية مرضية أفخم لحادث قتل المصلين السنة في أحد مساجد قرية الزركوش التابعة لمحافظة ديالى في 22 من اغسطس/آب والذي أدى إلى مقتل أكثر من 70 وجرح 20 مصليا على يد إحدى ميليشياتها الطائفية العراقية والتي ربما تكون تابعة للمالكي تحديداً. هذا العمل الذي استشعرت خطر تهديده لكل ما تم من خطوات من أجل توحيد العراقيين في معركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي بات يسيطر على أجزاء واسعة من العراق وسورية وأصبح كابوسا مرعباً للعديد من أنظمة المنطقة.
إيران الغارقة في المستنقع السوري والمتورطة في العديد من الدول كانت دائما وعلى لسان مسؤوليها تنفي تواجد أي قوات لها في كل من سورية والعراق ولبنان بينما الوقائع على الأرض تكذب هذه الإدعاءات فهي لم تتوقف يوما عن تشكيل ودعم وتدريب وتسليح ميليشياتها الشيعية الطائفية والتي تستخدمها رأس حربة في حربها على السنة، ناهيكم عن دعمها اللامحدود لنظام بشار في سورية، وهي من يتولى فعليا مهمة حماية هذا النظام ومنع سقوطه من خلال الدعم العسكري والمالي والاقتصادي.
إيران ما كانت لتعربد كل هذه العربدة لو كان هناك من يردعها لكنها وجدت في أوطاننا أرضا خصبة لتنفيذ مشروعها الصفوي التوسعي في ظل حكومات وأنظمة عربية منفصلة عن الواقع، وبعيدة كل البعد عن شعوبها ومصلحة أوطانها، همها الأوحد الحفاظ على وجودها في سدة الحكم مبددة الثروات دون تحقيق أي من انواع الإكتفاء الذاتي وغير قادرة حتى على حماية نفسها.
إيران تبدو اليوم مثقلة بهموم ومشاكل لا حصر لها بعد ان غاصت في المستنقع السوري وهي التي كانت تفاخر وعلى لسان مسؤوليها سياسيين وعسكريين بان شواطئ المتوسط هي حدودها الغربية. ان مما لا شك فيه ان الفضل في لجم المشروع التوسعي الإيراني يعود لثورة الشعب السوري الحر الذي ورغم حجم التآمر الهائل والضغوط التي مورست عليه لا يزال صامدا ويقاوم لأكثر من ثلاث سنين ونصف.
ان أي متابع للشان الإيراني وشؤون المنطقة سيدرك ان أخطر المشاكل التي تواجهها إيران على المدى المنظور هو وجود الجماعات الإسلامية الجهادية السنية كتنظيم الدولة والنصرة وغيرها العديد من الجماعات التي باتت تتمتع بقدرة قتالية عالية متسلحة بعقيدة دينية صلبة وتدريب وتسليح عالي المستوى مكن هذه الجماعات من تحقيق الكثير من الانتصارات على ميليشياتها في كل من العراق وسورية، واستطاعت بين ليلة وضحاها نقل المعركة إلى ملعب حالش التي كانت تظن انها بمأمن وان لبنان هو حصنها الحصين.
هذه الأحداث وضعت إيران وحلفاءها في موقف لا يحسدون عليه وهو ما دفعها إلى سرعة التحرك والطلب علنا من الغرب التدخل للجم التمدد الساحق والخاطف الذي يحققه تنظيم الدولة الإسلامية في كل من سورية والعراق، فكان التجاوب الغربي الحاسم من خلال إشراك البيشمركه في المعركة ظناً منهم انها قادرة على إحداث تغيير في مجريات الأحداث فخرج البارزاني مهددا متوعداً، معلناً ان قواته قد انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم. أما المفاجأة فهي عندما انقلبت الأمور لصالح الدولة الإسلامية بعد فرار البيشمركه من مناطق المواجهة كما حدث مع جنود المالكي فباتت أربيل على مرمى حجر من يد تنظيم الدولة فكان التدخل الجوي الحاسم منعا لسقوط عاصمة الكرد.
لقد أدركت إيران ان أي تدخل علني رسمي في العراق ضد تنظيم الدولة والعشائر وباقي أطياف المكون العراقي السني سيوحد الجميع ضدها وسيؤدي إلى تجنيد آلاف المتطوعين العرب السنة لقتالها.
ان الظلم الواقع على شعوب منطقتنا العربية ومنعها من اختيار شكل ونوع الحكم الذي ترغب به أو من خلال كبت حرياتها وحقها في العيش الكريم هو ما ساهم في ولادة هذه الجماعات الجهادية السنية التي لم تكن نشأتها فكرية بل ردة فعل على المظالم الكثيرة التي يتعرض لها السنة العرب في أوطانهم.
خليل المقداد