في رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» تبرز أسئلة لـ»رؤية جديدة»، في ظل الهجوم الوحشي «الإسرائيلي» على غزة.
سنحاول ان نستجيب لفكرة انبثاق الوعي سواء أكانت رؤية أو مفهوماً أو تصوراً من التجربة الحسية العيانية، وسؤالنا هو كيف تكون حياة المبدع الفلسطيني مجالاً لوعيه وافقاً لرؤيته ونظرته لما يجري في غزة؟ لانه في المقابل تقف فكرة استعداد الوعي من وعي سابق عليه، أي احتكاك فكرة بفكرة سابقة من خلال قراءة رواية «عائد إلى حيفا» هل يوجد فارق بين التجربتين؟ ما طبيعة كل منهما؟ كيف يكون مصيرهما من خلال التقبل والاستعمال؟
تمكننا هذه الأسئلة من إبداء الملاحظات التالية وهي في صورة أسئلة أخرى: هل يستطيع خطاب رواية عائد إلى حيفا ان يشكل نواة خطاب جديدة وقاعدة لرؤية جديدة، حيث تتشكل رؤية أو رؤى مختلفة للعالم؟ ألا يمكن ان تكون آليات القراءة للخطاب للمبدع الفلسطيني تتجاذبه نزعات سياسية بين وهم منغلق يدعي إحياء الأمة والتراث معاً، وتيار أفقه السياسي والثقافي مغلق، وبالتالي ينشأ وعي يمكنه ان يخطىء النظر إلى ما يجري في غزة حالياً، ومن ثم تيأس وعي لاحق يراكم سوء الفهم؟ هل من تعارض بين الوعي الذي طرحته رواية «عائد إلى حيفا» حيث كشفت زيف الوعي، الذي يصور الصراع على انه صراع على أرض فقط، وفي حقيقة الأمر، صراع على القيم، تدور رحى الصراع على الأرض. فالأرض هنا مفعول به، والقيم هو الفاعل؟ إذ لا معنى للوعي بعيداً عن التمثيلات الواقعية التي تربطه بأرضه (المكان) أو بحاضرة (الزمان)؟ وفي حالة غسان كنفاني – هذه الشخصية المثيرة للاهتمام – هل روايته امتداد لشخصه وسلوكاته وتعاطيه الكامل مع العالم المحيط به: عالم لأفكار كما عالم الأشياء؟ هل يمكن للأحداث الشخصية (التشرد والنفي) عن وطنه فلسطين، ان تكون نواة لرؤيته؟ هل يحق لنا الان العودة إلى تفاصيل تجربة رواية «عائد إلى حيفا» لكي نلمح خيوطاً متناغمة في شخصية هذا «المبدع» من عدة نواح: فهو إشارة عابرة ومهمة لبعض التفاصيل التي تساعد على فهم التجربة ووضعها موضعها الواقعي، وأيضاً يكفل لنا فهمنا للتوجه الانساني لهذا المبدع في علاقته بالمكان وبالناس أيضاً، ترسم لنا الرواية أيضاً صورة عن ارتباط الاختبارات الشخصية للانسان برؤيته للكون؟ وكيف يمكن ان تكون بعض الرؤى الواردة في الرواية معقدة قيم هي بسيطة وعفوية في روايته هذه.
يبقى السؤال دالاً على البناء وعلى رسم الطريق وتشكيلها. السؤال هو العمل، وهو المعنى الذي يعطيه غسان كنفاني له في روايته حول قضيته الوطنية الفلسطينية، وفيما يبقى الطريق هو طريق الفكر يظل السؤال قائماً كأساس يحدد ماهية العمل. لكن السؤال الذي يعبر عنه غسان كنفاني لا يخرج عن إطار وطنه فلسطين، ويدخل في حلب هذه الظاهرة التي تشكل ماهية الانسان. ما تشير إليه هذه التجربة هو العلاقة التي تربط السؤال بالطريق بسبب من فلسطين. في البداية تؤسس فلسطين لوجود رواية «عائد إلى حيفا» فتجربته تظل غير منفصلة عن فلسطين. فالانسان ككائن متكلم يفكر بالضرورة في الاتجاه الذي يسمح بالسير فيه، ونقصد بالاتجاه اتجاه الفكر، وقد يربط القارىء بين الفكر وفلسطين ضمن هذا السياق. ولكن هذا الرابط الذي يجمع بينهما لا يكون في انعدام الطريق، يمكن ان نرى كم هو مهم الطريق بالنسبة لتجربة الفكر الذي يبني على فلسطين عن ماهية الكائن.
سليم النجار