تقوم معظم التحليلات التي تتعلق بايران، ولاسيما في ما يرتبط بسلوكها الاقليمي والدولي، على أساس وجود انقسام سياسي بين تيارين، الاول اصلاحي يمثله الرئيس حسن روحاني وفريقه، والثاني متشدد يمثله الحرس الثوري والتشكيلات العسكرية الاخرى التي ترتبط بالولي الفقيه المرشد الاعلى للثورة الاسلامية علي خامنئي.
وظلت التقييمات الغربية تراهن، في ما يتعلق بمسار ايران في سياستها الخارجية، وما يتعلق بالازمة النووية، على أن روحاني من الاصلاحيين وعازما على مواجهة ضغوط المتشددين الذين هم في الإجمال قادة الحرس الثوري وآيات الله. فيما يعتقد عدد من المحللين ان توزيع الادوار بين اصلاحي ومتشدد هو نوع من التكتيك الذي يعتمده المرشد الاعلى، لاحتواء وضبط الاداء المتنوع لأوركسترا السياسة المنتمية في الاصل لايديولوجية ولاية الفقيه والمخلصة لتوجهاتها في كل مرحلة وفي كل توقيت.
المعلوم انه إبان الانتخابات الرئاسية الايرانية تعدد المرشحون المحسوبون على التيار المتشدد، بينما كان للتيار الاصلاحي مرشح واحد هو حسن روحاني، وكان بامكان المرشد الاعلى علي خامنئي ان يطلب من التيار المتشدد ان يتفق على مرشح واحد او اثنين، بغية عدم تشتت اصوات المقترعين له، ولكنه لم يعمد الى ذلك.. بل كان يريد ان يضمن الفوز لروحاني ومن الجولة الاولى، لذلك فانه شجع على تزايد عدد المرشحين من التيار الاصلاحي حتى سمح لبعض المقربين منه ان يرشحوا انفسهم.
وكانت لخامنئي اهداف متعددة من وصول اصلاحي الى سدة الرئاسة. فمن جهة اراد ان يمكن النظام نفسه من اعادة استيعاب واحتواء الشباب الايرانيين، الذين خرجوا بمظاهرات صاخبة الى الشوارع بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009، التي اعيد فيها انتخاب محمود احمدي نجاد، ومن جهة ثانية ايقاف العقوبات الدولية، التي انهكت البلاد. وعمل مثل هذا يتطلب وجوها جديدة. من جهة ثالثة فان التوترات الاقليمية بلغت اشدها وحالة الكراهية لايران وسياستها الاقليمية، لاسيما في ما يتعلق بدعمها اللامحدود لنظام بشار الاسد، والتدخل الطائفي في اليمن والبحرين والعراق كان بحاجة الى نوع من عملية «توزيع الادوار»، ونوع من التنفيس والاستدارة ان تطلب الامر على ايدي لاعبين ينتمون الى بنية النظام وتوجهاته وايديولوجيته، لكنهم يستخدمون قفازات ناعمة متى كان ذلك ضروريا، اي وقت الحاجة، وبالطبع حتى يتحقق ذلك لابد من اشاعة وجود انقسام وخلافات جذرية في بنية النظام، ما بين متشددين واصلاحيين.
وربما اراد المرشد الاعلى تقليم أظافر بعض المتشددين الذين أسسوا لمصالحهم الخاصة وافسدوا على حساب فعالية النظام. والحقيقة ان خامنئي نفسه شجع حسن روحاني لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2013، وهو متأكد من فوزه؛ فالرجل كان من المستشارين الموثوقين لدى المرشد الأعلى لسنوات طويلة، وعمل أمينا لمجلس الأمن القومي الأعلى لفترة 16 عاماً (بين 1989 و2005) وقاد فريق المفاوضين النوويين بين العامين 2003 و2005. ولم يكن دخيلاً في أي يوم من الأيام، كما لم ينتقد النظام أبداً. لقد دافع في المقابل بحماسة شديدة عن برنامج إصلاحات يهدف إلى تحرير الاقتصاد الايراني والسياسات الثقافية، بهدف تعزيز قبضة النظام الحالي على السلطة.
وبعد استلام روحاني لمنصبه في الرئاسة أضحى هدفا لانتقادات عنيفة بسبب سياسته الثقافية والخارجية، لاسيما ما يتعلق بالمفاوضات النووية، فماذا كان موقف المرشد الاعلى؟ لقد وجدنا المرشد في كثير من المواقف يدعمه، فمرة يطلب من الحرس الثوري الا يتدخل بالشأن السياسي، ومرة اخرى دفع أحد أقرب المقربين منه الى الوقوف الى جانب روحاني، ومرة ثالثة كان خامنئي نفسه يمارس الضغوط على روحاني في سبيل ضبط ايقاعات حركته من جانب، ومن جانب آخر يمنح النغمات المتعددة لجوقة المؤيدين السياسيين بغية ارباك الخصوم. على سبيل المثال لا الحصر، فاضافة للهجمات التي شنها رجل الدين المتشدّد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي على إدارة روحاني.. كانت مجموعة الـ 42 نائباً في مجلس الشورى الايراني قد اتهمت ادارة روحاني وفريقه بتهديد وإضعاف الأمن القومي الإيراني، بسبب سياساته حول البرنامج النووي، وعلاقاته مع الولايات المتحدة وسياساته الثقافية، وفي المقابل انبرى نائب قائد الحرس الثوري الجنرال حسين سلامي ليعلن: ان الحرس الثوري يدعم حكومة روحاني لأن «هذه هي إدارة الجمهورية الاسلامية في إيران»، كذلك انبرى الجنرال حسن فيروزآبادي، الذي يحظى بثقة المرشد الأعلى المطلقة اضافة الى ان العلاقة التي تربطه بخامنئي تمتد الى أكثر من 45 عاماً، باطلاق التصريحات الداعمة لروحاني وحتى انتقاد خصومه. كما أعلن خطيب الجمعة حجة الاسلام كاظم صادقي «نحن أيضاً نعلن بإذن الله موافقتنا ودعمنا للحكومة، كما قال المرشد الأعلى إنه يوافق عليها ويدعمها». ما اريد قوله من هذه الامثلة ان خامنئي كان داعما مستمرا للرئيس روحاني، دعم ترشحه للرئاسة ودعم توليه مهامه، ودعم سياساته الخارجية، سواء ما يتعلق منها بالمفاوضات النووية والانفتاح على الغرب او السياسات الاقليمية، وليس هناك خلافات بين المرشد الاعلى والرئيس روحاني بهذا الخصوص، وبالتالي هناك تناغم وتوزيع ادوار محسوب ومخطط له بين الأداء السياسي لروحاني وفريقه، والاداء الامني والعسكري والسياسي والاعلامي للحرس الثوري. وهذا التناغم والتوزيع للادوار متأت لان المؤسسة الايرانية بكل عناصرها وتنوعاتها وتفرعاتها، خاضعة للمرشد الاعلى الذي يدير الملفات وان تعددت ادواته. على سبيل المثال ان المعني بصناعة القرار في السياسة الامنية والعسكرية والامنية هو المجلس الأعلى للأمن القومي، ويتألف المجلس من الرئيس، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس القضاء، قادة القوى العسكرية، بمن فيها الحرس الثوري وقائد قوة القدس سليماني، مدير التخطيط والميزانية، ووزراء الخارجية، الداخلية والاستخبارات، إضافة إلى ممثلين عن المرشد الأعلى للثورة. صحيح ان المرشد الأعلى شخصياً لا يشارك عادة في اجتماعات المجلس الأعلى، لكنه يتلقى توصيات من المجلس ويصادق عليها إجمالاً. وفي حالات نادرة، وعندما لا يكون راضياً عن التوصيات، يستدعي في بعض الأحيان أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي لمناقشة المسائل معه شخصياً قبل اتخاذه القرارات. ويتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، من خلال أمانته العامة، توزيع القرارات، ومن خلال التسلسل الهرمي للدولة والقوات المسلحة من أجل تطبيقها.
والاستنتاج الذي يمكن التعمق فيه بهذا الصدد، هو ان الوقائع اعلاه وما تقدم من أمثلة تؤكد بشكل واضح ان ما يتردد في العديد من الاوساط الغربية والامريكية خصوصا، من أن الرئيس روحاني يمثل التغيير المنتظر في الجمهورية الاسلامية والشخص الذي يمكن للغرب والولايات المتحدة أن تتعامل معه، خطأ. والحقيقة المركزية الصحيحة ان الجمهورية الاسلامية والمرشد الاعلى علي خامنئي دأبا على اجراء تغييرات جوهرية في التعاطي السياسي والامني، على المستويات الداخلية والاقليمية والدولية، يستهدفا من ورائها الاستمرار في قيادة البلاد في مواجهة العواصف المتعددة الاقتصادية والاجتماعية والتحديات الاقليمية والدولية، التي صارت تهدد منهجية وسياسات ولاية الفقيه، التي ظلت معتمدة طوال نحو أكثر من ثلاثة عقود، واصبح من الواضح ان اساليبها القديمة لم تعد ملائمة للمتغيرات والتحديات الجديدة، وان احد عناصر التغييرات الجوهرية التي اعتمدها المرشد الاعلى، دعم حسن روحاني في ترشحه للرئاسة، ومن ثم فوزه وتوليه مهامه وسياساته التي هي تعبير في حقيقتها عن سياسات المرشد الاعلى، الذي تعلّم من خبرته السابقة في انتخابات 2009، أن البلد بحاجة الى تغيير في الوجوه والسياسات، وان السياسات التقليدية لم تعد مقبولة، وما لم يجر تغيير للسياسات التقليدية فان البلد مقدم على احتجاجات غاضبة عاصفة قد تصبح قاتلة للنظام. العنصر الاخر في التغييرات الجوهرية هو تخفيف القيود الاجتماعية – الاقتصادية الصارمة، لذلك عمد النظام كله بموافقة المرشد وبتنفيذ الرئيس روحاني، ومن دون اعتراض واسع من المتشددين، الى فتح قنوات الانترنت الايرانية وتفكيك جميع برامج المراقبة التي أدرجت على نظام التواصل العالمي خلال السنوات الماضية، بما يسمح للشباب الايراني ان ينفس عن احتجاجه بوسائل حضارية، وليس بالنزول الى الشارع. العنصر الثالث الجوهري هو تقليص مهام الحرس الثوري، بحيث تكون مهامه قتالية امنية استخباراتية، وإبعاده عن الشؤون الدبلوماسية والسياسية، لاسيما في الازمات الخارجية.. وقد برزت ملامح هذا التغيير في العراق بشكل واضح وبشكل اقل في لبنان، اذ تمت اعادة تقييم للسياسة الايرانية في العراق، وتمت اعادة تغيير بوصلتها وشخوصها، فقد ابعد الجنرال سليماني عن ملف العراق، بل ان الحرس الثوري وقوة القدس انيطت بها مهام اخرى في العراق، وما يتعلق بالامور السياسية والدبلوماسية فقد انيطت بشخصيات اخرى، من بينها شمخاني ونظيف واخرون. بالطبع لا يعني هذا ان ايران كفت عن التدخل في العراق وانما يعني ان طرق واساليب التدخل وفاعليته قد تغيرت، لاسيما بعد ان اثبتت احداث الموصل وما بعدها فشل السياسة الايرانية في العراق.. أما العنصر الرابع في اطار التغييرات الجوهرية فهو تصميم المرشد الأعلى على تقليص اعتماد إيران على الاقتصاد العالمي، وبالتالي تحصين البلاد ضد العقوبات. وأعلن عن سياسته الاقتصادية الجديدة في 11 آذار/مارس 2014 تحت عنوان «اقتصاد المقاومة»، وعمل روحاني على تطبيق هذا المبدأ الذي ساهم في تطويره.
والحقيقة أن هناك عناصر متناثرة كثيرة أخرى يبدو ان الجمهورية الاسلامية مقدمة على احداث تغييرات جوهرية فيها، الا ان ملامحها لم تتضح بعد، ولكن الواضح ان العناصر الاربعة السالفة الذكر مثلت اهم المتغيرات التي جرى خلال الاشهر الماضية التعاطي معها ومحاولة تثبيتها في السياسة الايرانية ومن قبل المرشد الاعلى.
*كاتب وصحافي عراقي
عصام فاهم العامري*