اسطنبول – “القدس العربي”: تعارض تركيا بشكل قاطع، أي مخطط أمريكي لمهاجمة إيران في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن وحشد الجيش الأمريكي مزيداً من القوات وحاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية في المنطقة وسط خشية حقيقية من اندلاع مواجهة مدمرة بين البلدين.
وعلى الرغم من أن تركيا تختلف مع طهران بشكل جوهري حول الكثير من القضايا الإقليمية والدولية، وتعتبر إيران المنافس الإقليمي التقليدي الأكبر لتركيا، إلا أن أنقرة تعتبر أن أي هجوم عسكري على إيران يعتبر بمثابة خطر استراتيجي مدمر عليها.
حيث تختلف تركيا مع إيران مذهبياً، وتتهم تركيا التي يقطنها أغلبية من المسلمين السنة إيران الشيعية، باتباع سياسة مذهبية في المنطقة، كما تعارض التدخل الإيراني في العراق، وتدخلها العسكري المباشر في سوريا واليمن ولبنان وغيرها من الدول العربية، وسط خلافات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة بينهما، حاول البلدين تحييدها قدر الإمكان طوال السنوات الماضية والتركيز على نقاط الاتفاق لمواجهة التحديات الهائلة التي مر بها البلدين في السنوات الأخيرة.
ومن أبرز أسباب رفض تركيا أي هجوم عسكري على إيران، هو خشيتها من أن أي ضربة عسكرية أمريكية سوف تؤدي على الأغلب إلى انهيار الحكومة المركزية في إيران وبالتالي انتشار الفوضى وانهيار الأمن، وهو ما سيؤثر على تركيا بشكل مباشر كما جرى في سوريا لا سيما وأن حدوداً تمتد على 300 كيلومتر تربط البلدين.
وتتخيل تركيا سيناريو أصعب وأسوأ من ذلك الذي تعيشه منذ اندلاع الحرب في سوريا قبل 8 سنوات، بسبب انهيار الأمن على الطرف الآخر من الحدود وبالتالي مواجهة تهديدات متعددة من أطراف إقليمية وتنظيمات إرهابية على غرار ما جرى في سوريا.
وتعارض تركيا أي سيناريو يدفع المنطقة إلى مواجهات عسكرية غير محسوبة العواقب يمكن أن تتطور بشكل غير محسوب لتشمل دولاً أخرى ومنها دول الخليج ،وهو ما يعني دخول المنطقة في حالة من الاصطفاف واتخاذ مواقف قطعية بالوقوف إلى جانب طرف على حساب الآخر وربما الانزلاق لتتحول إلى طرف مباشر في هذه المواجهة وما يترتب على ذلك من متاعب سياسية وعسكرية واقتصادية.
وتتوقع تركيا في حال انهيار الحكومة الإيرانية عودة قوية للتنظيمات الإرهابية على غرار تنظيم الدولة، وظهور مليشيات شيعية متشددة ربما تتحول أيضاً لمهاجمة تركيا، إلى جانب أن ذلك سوف يشجع ويساعد على عودة التنظيمات الإرهابية للعراق أيضاً وضمان استمرار وتعمق الأزمة الحالية في سوريا، وهو ما يطلق عليه المحللون الأتراك سيناريو انهيار الأمن والأنظمة القوية في دول الجوار واشتعال الجوار التركي بشكل كامل.
وتعلم تركيا جيداً أن ضعف النظام الإيراني أو انهياره سوف يعني على الفور انتعاش التنظيمات الكردية المسلحة وعلى رأسها تنظيم بي كا كا وتفرعاته في العراق وعودة القوة لفرعه الإيراني “حزب الحياة الحرة الكردستاني” وتسهيل انتقال الأسلحة إلى التنظيمات الكردية من سوريا للعراق وصولاً لإيران ومن ثم لتركيا، وبالتالي تدمير كافة الإنجازات التي وصل لها الجيش التركي في إضعاف تنظيم بي كا كا داخل تركيا وفي إيران طوال السنوات الماضية.
والسيناريو الأخطر في هذاا الإطار، هو أن انهيار نظام الحكم يعني ظهور النزعات الانفصالية في إيران على غرار ما جرى في العراق سابقاً وسوريا لاحقاً، وبالتالي فإن الأكراد في إيران سوف ينشطون للمطالبة والعمل على إقامة كيان منفصل لهم وهو ما يشجع أكراد تركيا على العمل لإقامة دولة خاصة بهم أيضاً، وهو ما اعتبرته تركيا منذ عقود الخطر الاستراتيجي الأكبر عليها.
وفيما يتعلق بمصادر الطاقة، تخشى تركيا أن أي نزاع ولو كان محدوداً يمكن أن يؤثر على امدادات الطاقة الإيرانية إليها، حيث تعتمد أنقرة بدرجة كبيرة على النفط والغاز الإيراني وبأسعار تفضيلية وبتكاليف نقل أقل من غيرها، وفي حال توقفها ستكون بمثابة ضربة موجعة جداً لتركيا التي لن تتمكن بسهولة من توفير بديل للكميات الكبيرة من الغاز والنفط الذي تحصل عليه من إيران كما أن ذلك سوف يكلفها خسائر سنوية قد تصل إلى مليارات الدولارات.
واقتصادياً، تعتبر إيران شريك اقتصادي مهم لتركيا ويسعى البلدين لرفع حجم التبادل التجاري من قرابة 20 مليار دولار إلى أكثر من 30 مليار دولار، وفي حال وقوع أي مواجهة عسكرية يعني أن الاقتصاد التركي المنهك هذه الأشهر بفعل أزمات متلاحقة سيتلقى ضربة موجعة تزيد من متاعبه بشكل غير مسبوق بفعل خسائر قد تصل لعشرات مليارات الدولارات.
وإنسانياً، تتوقع تركيا في حال تدهور الأوضاع ووقوع مواجهة عسكرية كبيرة أن تحصل موجة لجوء كبرى من إيران نحو الأراضي التركية على غرار ما جرى في الأزمة السورية وهو ما لم تعد تركيا قادرة على تحمله أمنياً ولا اجتماعياً والأهم اقتصادياً.
وعلى الرغم من أن كل ما ذكر سابقاً من أسباب سياسية وأمنية واقتصادية هي في صلب دوافع القرار التركي لرفض أي تحرك عسكري أمريكي ضد إيران إلا أن الخشية الأكبر تبقى من وجود إيمان راسخ في دوائر صنع القرار في أنقرة، بأن تدمير دولة إقليمية مهمة وكبيرة بحجم إيران في المنطقة، يعني أن تركيا ستكون هي الهدف المقبل ووقتها لن تكون أنقرة قادرة على مواجهة سيناريو مشابه بعد أن يكون قد جرى انهاكها بكم هائل من الأزمات الأمنية والاقتصادية أصعب من تلك التي تعيشها منذ بدء الحرب في سوريا.