لا أعرف إن كانت ليؤور الفنانة (الإسرائيلية)! قد شاهدت فيلم (امرأة من ذهب)، أم لم تشاهده، حين أعادت للفلسطينيين بعد 71 عاماً سجادة وثوبَ رجل وأدوات منزلية كان والدها الضابط قد استولى عليها من بيوت الفلسطينيين، وهو يشن حربه عليهم، عام النكبة.
لقد استيقظ ضمير ليؤور بعد كل هذه الفترة، وهو في الحقيقة ضمير غريب، كان بحاجة إلى ليلة طولها سبعة عقود كاملة كي يصحو، وعام كامل كي يتململ ويتثاءب، قبل أن ينهض من السرير ويبدأ العمل!
فيلم (امرأة من ذهب)، يتحدث عن امرأة يهودية، أخرى، ليست ليؤور، تعيش في لوس أنجليس، قررت استعادة لوحة رسمها الفنان غوستاف كليمت لخالتها، بعد 68 عاماً من مصادرة النازيين للوحة، واستقرارها أخيراً في متحف نمساوي، واسم الفيلم جاء من اسم اللوحة؛ وقد حظِيَ تصميم هذه المرأة اليهودية بفيلم قامت ببطولته واحدة من أشهر الفنانات في عالم السينما، هي هيلين ميرين، وأدّته ببراعة وقوة لا يستطيع المشاهد أن ينكرهما!
وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فإن ما يثير الغيظ هنا أننا إذا ما استثنينا المسلسل الإنكليزي القصير (الوعد)، الذي أنتجته من سنوات الـ (BBC)، فإننا لن نرى فيلماً كبيراً بنصف قيمة (امرأة من ذهب)، يتناول القضية الفلسطينية. وحتى لا نظلم هوليوود، فإن العالم العربي نفسه لم ينتج مثل هذا الفيلم، وأعني هنا فيلمَ القضية الكبير، الذي يشبه فيلماً كبيراً مثل (عمر المختار)؛ وقد سمعتُ المخرج صلاح أبو سيف في لقاء استضافته فيه مؤسسة عبد الحميد شومان، عمّان، في تسعينيات القرن الماضي، يقول: إن حلمه الدائم هو تقديم فيلم عن القضية الفلسطينية، لكنه يصطدم دائماً بحقيقة أن أحدًا لا يريد تمويل هذا الفيلم!
بعد أن قال أبو سيف ما قاله بزمن، اختبرتُ أنا شخصياً، خلال السنوات العشر الماضية، اشتراط فضائيات كبرى أن يتمّ تغيير المكان الذي تدور فيه الأحداث: فلسطين، واستبداله بأي مكان آخر، كشرط لإنتاج عمل تلفزيوني عن رواية (زمن الخيول البيضاء). عشت ذلك وعاشه معي المنتج الذي اشترى حقوق إنتاج الرواية، التي كان سيخرجها تلفزيونياً الكبير حاتم علي في ثلاثين حلقة.
.. لذا، نتلعثم اليوم حين نحلم بإنجاز فيلم عالمي كبير عن فلسطين، مخافة أن يقول لنا من ننتقدهم من الأغراب: ولماذا لا تفعلون ذلك أنتم الأعراب؟! هل ينقصكم المال؟! الخبرات؟! أم ماذا؟!
فلسطين اليوم، في ذكرى النكبة التي صادفت أمس، ينقصها كل شيء، أكثر من أي يوم مضى، وليس لها فعلياً سوى شعبها، بشهدائه وأسراه ونسائه ورجاله وأطفاله، هذا الشعب الذي أبقى شعلة القضية متّقدة منذ أكثر من مائة عام، صعدت فيها قوى دولية وانهارت أخرى، وتمزّقت دول، واتسعت دول، وسقط طغاة وجاء من هم أسوأ منهم، ولم يستطع أحد أن يمحو اسم فلسطين ولا الفلسطينيين؛ وهو اسم تتكثف فيه قوة التاريخ وأجمل أحلام المستقبل.
وما دام الشيء بالشيء يُذكر، أيضاً، فإن الوثائق الصهيونية تقول: إن ضابط وحدة المظليين عامنوئيل شاكيد، الذي شارك في اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة: أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر، في بيروت 1973، قد امتدح لياقة الفدائيين الفلسطينيين الذي قاتلوا وحدته في المخيمات، فلم يرُق ذلك لغولدا مائير، التي أسكتته وطلبت منه تسميتهم بـ «العرب» معللة ذلك بأنه «لا يوجد شعب فلسطيني»، وحذّرته قائلة: «في حال واصلتَ ما تقوله سأهتم بإبعادك من الجيش».
كثير من القيادات العربية التي تخرّجت من المدرسة التي انتسبت إليها غولدا مائير، باتت وسائل ترفيهها وإعلامها وطواقمها السياسية والنابحة، كلها، حريصة على أن لا يُذكر اسم فلسطين. لكن هذه القيادات الذيلية تنسى أن الصهيونية المدعومة من كل قوى الشرّ لم تستطع محو اسم فلسطين، فكيف لهذه الذيول أن تستطيع؟! وقد تحولت اليوم إلى ما يشبه زعماء روابط القرى الذين زرعهم الكيان الصهيوني في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وكنسَهم الشعب الفلسطيني.
القيادة الفلسطينية، في الذكرى 71 للنكبة، ليست أقل اندفاعاً من القيادات الذيلية العربية الأخرى، فهي لم تجد وسيلة تجدد فيها تمسّكها بفلسطين ودفاعها عنها، لمواجهة آثار النكبة، أفضل من إصدار كتاب (الرئيس قدوتنا) وتعميمه على المدارس، ليكون مرجعاً وطنياً للأجيال القادمة، وخطة للتحرير! رئيس سلطة أوسلو التي تخلت عن ثمانين في المائة من أرض فلسطين، وواصلت تأكيد ذلك في كل مناسبة، سواء كانت هذه المناسبة حواراً مع فضائية، أو صحيفة، أو مساهمة أجهزتها بالتنسيق والصمت، حين تندفع قوات القتلة لاعتقال مناضل أو مناضلة، أو تصفيته، كما حدث حين تمت مداهمة البيت الذي كان فيه الشهيد باسل الأعرج.
.. والمشكلة الأكبر، أن كثيراً من رجال الصف الثاني والثالث في هذه القيادة ليسوا أقل حماسة من الرئيس لهذا التفريط؛ هم ورثة سلطته.
ونعود إلى الفيلم، دون أن ننسى أن كلّ هذا الثغاء الرسمي، عربياً وفلسطينياً، هو من السخريات المُرّة التي، لم تعش أمس، لتعيش غدًا. ففي الفيلم كانت لوحة فنية كافية لإنتاج فيلم! أما احتلال وطن بأكمله، بأرضه وسمائه وبحره ولوحاته ومسارحه وأشجاره ومائه…، فإنه لا يستدعي إنجاز فيلم عالمي كبير عن ذلك، لا بتمويل أجنبي أو عربي، ولا برأس مال فلسطيني بات يرتجف هلعاً، خائفاً أن يُتهم بدعم (الإرهاب)!
قاتلتْ صاحبة اللوحة واستردتها، لكن كل هذا الخراب العالمي والعربي والفلسطيني الرسمي يقاتل صمودَ الفلسطيني، ويُغلق كل ممرٍّ صغير يؤدي لاسترداد وطنه.
استردتْ بطلة الفيلم اللوحة، وعلى الجانب الآخر؛ على أرض فلسطين المحتلة، أعادت ليؤور (الفنانة الحساسة!) السجادة والثوب والأدوات المنزلية البسيطة، وسلّمتها لمتحف تراثي لبلدة لم تزل تحت الاحتلال! ولكن أحداً من أولئك الذين فرحوا بمبادرتها (الإنسانية) لم يسألها: ولكن، متى ستعيدين البيت الذي تسكنين فيه لأصحابه؟!
وبعد:
لا تختلف دولة العدوان في أفضل حالات صحوة ضمير محبي السّلام فيها عن ليؤور.. فكل ما يمكن أن تمنحه للفلسطيني اليوم هو سجادة ينام عليها وثوباً يلبسه وبعض الأدوات البسيطة التي يمكن أن يستخدمها لغلي الماء، واقتلاعاً لا تتمنى له العودةَ منه.
وبعد أيضاً:
كما يتقنُ الماءُ فنَّ الحياة
هذه الأرضُ تتقنُ طردَ الغزاة