لأول مرة في التاريخ سنشهد نهائيين أوروبيين بنكهة إنكليزية خالصة بطلهما ليفربول وتوتنهام في دوري الأبطال وتشلسي مع آرسنال في نهائي الدوري الأوروبي، ما أثار الكثير من ردود الفعل والتعليقات والتحليلات، بعضها أثنى على قوة الدوري الإنكليزي والروح العالية التي يتحلى بها لاعبوه، فيما اعتقد البعض الآخر أن ذلك مرده إلى تراجع مستويات الأندية الأوروبية الكبرى على غرار الريال والبارسا والبايرن ويوفنتوس، في حين يعتبر البعض الآخر بأن الأمر مجرد طفرة لا علاقة له بمدى قوة الأندية الإنكليزية والمنافسة الشديدة في الدوري الممتاز الذي لم نتعرف على بطله حتى الجولة الأخيرة بسبب حدة الصراع بين العملاقين المان سيتي وليفربول، وهو ما لم نشهده في دوريات أخرى.
أغلب التحليلات الفنية أجمعت على أن نوعية وقيمة المدربين الأجانب، كان لهم دور كبير في تغيير أسلوب اللعب الكلاسيكي الإنكليزي الذي كان يرتكز على الاندفاع البدني وقوة الالتحامات والكرات الطويلة، ليتحول إلى نمط يعتمد على الروح التنافسية العالية والمهارة الفردية والفلسفة التكتيكية التي ترتكز على الاستحواذ على الكرة والضغط العالي على المنافس حتى وصل الأمر إلى درجة صار فيها السيتي وليفربول وتشلسي أصحاب أكبر نسبة استحواذ على الكرة في أوروبا برفقة البارسا، وصار السيتي صاحب أكبر نسبة تمرير في القارة العجوز هذا الموسم، متقدما على تشلسي والبارسا وليفربول، وهي مؤشرات واضحة لمدى التحول الذي شهدته الكرة الإنكليزية من الناحيتين الفنية والتكتيكية امتدادا لعمل ممنهج اعتمده الاتحاد الإنكليزي على مستوى المدارس الكروية ومع المنتخبات الشبانية التي سيطرت على المسابقات الأوروبية والعالمية خلال السنوات الماضية، وأدت إلى بلوغ المنتخب الأول لنصف نهائي كأس العالم في روسيا. هذه المعطيات الفنية يستند عليها من يعتقدون بأن قوة المنافسة التي يتميز بها الدوري الإنكليزي هي التي قادت إلى تألق أنديته أوروبيا ووصول أربعة فرق إلى النهائيين الأوروبيين بالشكل الذي حدث هذا الموسم من خلال ما فعله ليفربول ببرشلونة في تلك الريمونتادا التاريخية، وما فعله توتنهام بالمتميز أياكس الذي أطاح بالريال ويوفنتوس ليسقط أمام براعة الانكليز وروحهم العالية واصرارهم الكبير، خصلة لم تتحلى به الفرق الإيطالية والاسبانية وحتى الألمانية والفرنسية في دوري الأبطال والدوري الأوروبي لهذا الموسم بسبب تراجع المنافسة في بطولاتها التي سيطر عليها البارسا واليوفي والبايرن والبياسجي بفارق كبير أفقد المنافسة نكهتها وقوتها وأثر سلبا على أنديتها في دوري الأبطال. حجج من يعتقدون أن التألق يعود إلى تراجع الأندية الأوروبية الكبرى تسقط تباعا عندما نسترجع تلك العقلية والروح العالية التي صار يتحلى بها الإنكليز والأجانب الذين ينشطون في الأندية الإنكليزية، والتي يدعو البعض إلى تدريسها لاحقا مع مهارات الكرة وخطط اللعب الحديثة لأنها صنعت بدورها الفارق وساهمت بشكل كبير في وصول بسط السيطرة الإنكليزية على النهائيين، وهو ما ينطبق أيضا على من يعتقدون بأن الأمر مجرد طفرة سرعان ما تتلاشى مع الوقت رغم استنادهم لعامل الغرابة الذي حدث به تأهل ليفربول على البارسا وتوتنهام على أياكس في سيناريوهين استثنائيين يصعب تكرارهما بنفس الشكل، خاصة وأن الكثير من المتابعين كانوا يعتقدون بصعوبة وربما استحالة عودة الريدز والسبيرز في لقائي العودة بعد خسارة ليفربول بالثلاثة أمام البارسا، وخسارة توتنهام ذهابا على ميدانه أمام أحفاد كرويف في لندن.
مهما يكن من أمر فإن الأسباب تؤدي إلى النتائج، والروح والمهارة والقوة والاندفاع، مضاف إليها المدربون واللاعبون الأجانب وعقلية الفوز وروح التحدي كلها عوامل كانت وراء هذا الذي حدث هذا الموسم على صعيد دوري الأبطال والدوري الأوروبي، مما يعد بتحولات كبيرة على الفلسفة الكروية الحديثة التي تستند على كل الأسباب والعوامل النفسية والذهنية والفنية والتكتيكية، وحتى البشرية والمادية، لأن توفر المال يسمح باستقطاب النجوم والمدربين الكبار وصناعة فرق قوية، واستقطاب المدربين واللاعبين الكبار يسمح برفع المستوى من خلال اشعال المنافسة داخل الأندية ذاتها.
إذا نظرنا إلى طرفي النهائي في كل مسابقة، لا نجد بينهما إسم المتوج بلقب الدوري، وهو مانشستر سيتي، ربما هي دلالة قوية لأصحاب مبدأ أن الدوري الإنكليزي مثال للقوة، لكن إذا تم التركيز على طريقة التأهل الموصوفة بالغريبة، فالمتابعون يقولون إنه لا بد على هذه الأندية التأكيد على تألقها في النسخة التالية، كي تنزع عنها صفة الظرفية، عطفا على ما فعله الإسبان من قبل، لكن رغم كل هذا سيبقى هذا الموسم عالقا في أذهان الجميع، وربما سيكون حجر الأساس للكرة الإنكليزية كي تعيد المستديرة إلى موطن نشأتها.
إعلامي جزائري