■ يتدفق، من رواية «حصن التراب» شعور متفاقم بالفقدان، يؤسس لمأساة تستديم قرونا، باستدامة وجود وتناسل وتنامي العائلة الموريسكية، التي تحكي عنها الرواية (عائلة دي مولينا)، لكن أجيال هذه العائلة لا تنظر إلى المأساة باعتبارها نهاية حياة، بل بالأحرى بداية حياة جديدة مفعمة بالاغتراب والاستلاب والتقلب في أحوال منشدّة إلى الأصل، إلى الهوية الأولى، ولذلك كان المسعى العام الذي يشد بآصرته، كل هذه الأجيال إلى بعضها، هو العمل على استعادة الهوية الضائعة بضياع الأندلس بكل مدائنها التاريخية المعروفة، فالهوية المستعادة عنوان حركة أحداث الرواية وإيقاعها المنساب صعودا وهبوطا، أماما وخلفا. ومما لا تنفك الرواية التذكير به، وهي تهتم بحياة أفراد هذه العائلة، أن الهوية، هي أساس وجود الإنسان في العالم، وبفقدانه هويتَهُ، يفتقد ارتكازه في هذا الوجود، ويصبح مقتلعا حتى لو سافر وهاجر وارتحل إلى مدائن جديدة أخرى للسكن والإقامة، فإن سكنه وإقامته لا ينفصلان عن الأصل المقتلع منه، بل لعله في هذه الإقامة الجديدة يشيد سكناه على شاكلة ما افتقده. هذا الحال المتراوح بين فقدان الهوية والعمل على الحفاظ عليها واستعادتها مهما كانت حوائل الاستعادة قاهرة وجبارة ومدمرة، هو المدار السردي العام لرواية أحمد عبداللطيف «حصن التراب».
أولا: انزياح الهوية
تستعيد رواية «حصن التراب» حقائق التاريخ: تاريخ الأندلس المعروفة، وتدسها في ثنايا المرويات السردية المنثالة في فصول الرواية المرقمة ترقيما تصاعديا، يبدأ بالرقم (1) وينتهي بالرقم (103)، وهي فصول روائية شديدة الخصوصية، لا نعثر على مثيل لها في الرواية العربية المعاصرة، تتجلى هذه الخصوصية، في عدم الاكتفاء بالسرد المنساب المنثال بالحكي المتدفق المسترسل، منذ الأيام الأخيرة من حياة أب الراوي، وتحديدا في الأربعين يوما التي اختمر فيها احتضاره، مثلما اختمرت فيها فكرة الراوي عن هويته الحقيقية، هوية ابن العائلة الموريسكية، بل ينضاف إلى الحكي المتدفق (النص الحكائي الرقمي، صوتا كان أم صورة)، وبهذا الصنيع الروائي الجديد أضفى الروائي المصري أحمد عبداللطيف على رواية «حصن التراب» سمات الجدة الإبداعية الروائية، التي ترهص بتحولات جديدة في الكتابة الروائية العربية المعاصرة والمستقبَلَة.
رأى الراوي إبراهيم بن ميجيل دي مولينا الرؤية ذاتها في نهاية حياته ونهاية هذه الرواية: «رأيت في المنام شجرة هائلة، تتساقط ورقاتها الكبيرة فتغطي الأرض تماما.
يتعرف الراوي – الابن البكر إلى هويته الموريسكية في لحظة حرجة من حياة أبيه، ومن ثمة من حياته هو أيضا، انطلاقا من علامة- وشم مستدير أخضر مترنق في البطن، فهذا الراوي يرى أباه الميْت عاريا مزدانا بتلك الشامة الخضراء، التي يحملها هو أيضا بدون أن يعرف لها معنى، ويحتدم في الحال صراع الهوية في ذاته، مثلما يبدأ في الاحتدام داخل المتن الروائي منذ الفصول الأولى للرواية: «ختم أخضر يحمل هويتي، كأنه الترياق ضد سم الضياع. كأنه الضياع ضد سم الهوية».. كان الأب قد سلّم وديعة العائلة، لهذا الابن البكر حالما أحس بقرب الأجل، إذ رأى في المنام أن رحيله قد أزف، وأن ورقة حياته قد سقطت من شجرة العائلة. وبسقوطها توجب عليه حماية استمرارية يناعة هذه الشجرة باتباع وصايا الأسلاف والأجداد، وهو ما قام به وفعله عندما صرح لابنه البكر بحقيقة هوية العائلة، الهوية المنزاحة عن الأصل الأصيل، هوية المسلم العربي الأندلسي، هذه الهوية المنزاحة باستعارتها الكبرى، أقصد شجرة العائلة، هي مدار الحكي الروائي كله في «حصن التراب»: «وفي الخامسة والعشرين كنت أقبل على حياة سلمني أبي، بوعي تام، فخاخها، لأسير، بإرادة تامة أيضا، بين كل هذه الحفرات، ولأجلس، بقدمين مدلاتين، على هوة صخرية تطل على العدم».
ثانيا: شجرة العائلة أو الاستعارة الكبرى في رواية «حصن التراب»
هذه الوديعة التي استلمها الراوي، وهو في سن الخامسة والعشرين، هي التي عمل بها كل أسلافه في سلالة العائلة، وقد اختار الروائي، بصنعة روائية محبوكة، شجرة العائلة، من هذه السلالة، استعارةً كبرى تجمعت في بؤرتها كل أحداث الرواية، بأشكال الصوغ الروائي المختلفة، وجعل من أوراق أفراد العائلة، حكايات مؤطَرة، تجلو مصائر العائلة، من جيل إلى جيل. وبدأ هذه الأوراق بـ(أوراق إبراهيم بن ميجيل دي مولينا)، المؤرخة في تطوان عام 1679، وأنهاها بأوراقه، أيضا، في مدينة تطوان ذاتها دونما إشارة إلى تاريخ محدد، بما يفيد بأن إبراهيم هذا هو الابن الذي يشكل الواسطة الذهبية بين السلف والخلف، وتحديدا في تطوان المغربية الأندلسية العمران باصطلاح ابن خلدون، في مبنى من مبانيها الأندلسية الكثيرة: «أوصاني أبي أن أحتفظ بأوراقه في سحارة، كما أوصاني أن أضيف إليها أوراقا جديدة أكتبها بخط يدي، وبدون ان أدري ما أهمية ما كتب ولا ما سأكتب، نفذتُ وصيته، لعله بذلك يستريح في قبره. لعله بذلك يسامحني على لامبالاتي. لكن بالإضافة إلى التدوين والنسخ، كانت وصية أبي الأصعب أن يتكفل أبنائي وأحفادي بجمع كل تلك الأوراق في مكان واحد: إما في سراديب كوينكا أو حصن التراب. ولأنني لا أملك نقل الوصية، أترك هذه الورقة لأحفادي ليروا ماذا يفعلون».
ومثلما رأى الأب موته في تلك الورقة الساقطة من شجرة العائلة، رأى الراوي إبراهيم بن ميجيل دي مولينا الرؤية ذاتها في نهاية حياته ونهاية هذه الرواية: «رأيت في المنام شجرة هائلة، تتساقط ورقاتها الكبيرة فتغطي الأرض تماما. كانت الورقات صفراء، خريفية وقابلة للكسر بمجرد لمسها. كان الجو عاصفا، وكنت أشعر كأني سأتطاير، بدون رأفة. وبينما كنت أفكر في الاختباء خلف الشجرة، ثمة شيء كان يدفعني لالتقاط ورقة بدت أنها لي. كانت الورقة ضخمة مثل راحة يد مزارع، ومشققة كأنها منذ قديم الأزل. لما نظرت فيها، انتبهت لاسمي محفورا في نسيجها. على عكس الواقع، كنت أنتمي، في الحلم، لأمي. في لحظة ما توقفت العواصف، وساد صمت سرمدي، من فوق الشجرة، تطلعت إليَ ورقات تحمل وجوه أطفال مبتسمين. وعلى الأرض، انكشفت لي الأسماء المحفورة بين نسيج ورقات أزلية. من بين الأسماء قرأتُ: عبدالله، عائشة، مريم، خوان، ماريا، كارلوس، ميجيل، خوانا، مانويل، كارمن، إبراهيم، وبينما كنت أحمل ورقتي وأسير لقِبْلَة أعرفها، بخطوات للأمام ورقبة ملتوية للخلف، رأيت كل الورقات صارت شجرة، تمسك بتلابيبي، وأجرها». وبذلك تكون شجرة العائلة، بكل هذه الأسماء المعلنة وتلك الخفية، قد أظهرت ما للاستعارة من إيحاء في الكناية عن الحياة الدرامية المأساوية التي تقلبت فيها أسر هذه العائلة من جيل إلى جيل، ومن مكان إلى مكان، من الأندلس إلى تطوان.
انطوت الاستعارة الكبرى (شجرة العائلة) على تاريخ موار بالأحداث، مثقل بالمحن والمآسي والفتن، التي عاشها مسلمو إسبانيا إثر السقوط النهائي للأندلس عام 1492.
انطوت الاستعارة الكبرى (شجرة العائلة) على تاريخ موار بالأحداث، مثقل بالمحن والمآسي والفتن، التي عاشها مسلمو إسبانيا إثر السقوط النهائي للأندلس عام 1492. وحملت هذه الاستعارة في أطوارها المتعاقبة، عبر الحقب، ومن جيل إلى جيل، كل مظاهر وصور تلك المحن والفتن والتقلبات المأساوية، لكن الاستعارة هاته، تحمل معناها الحقيقي، في تلك الوصية التي بدأت بها الرواية مقترنة بحلم الموت، والتي انتهت بما يماثلها في نهاية الرواية. لكن الاستعارة، وهي تكني عن المأساة في عمقها وخفاياها وخباياها وتشابكاتها التاريخية، تكني أيضا عن تلك الحياة المفعمة بالإيمان الديني، هذا الإيمان ثاو في قلوب أفراد العائلة، عانوه بصبر وإرادة وتطلعات، أم نسوه أو تناسوه بلامبالاتهم، إنه إيمان كالجذوة المتوهجة يشتعل ويضيء في الأوراق التي يخطها ويكتبها أولياء العائلة، حراس الوصية الدفينة، وصية الإيمان الأصلي، إيمان المسلمين المقهورين المدحورين المنهزمين الباحثين عن فضاء جديد لإيمانهم، وإن كان الارتباط بالفضاء الأصلي، بالمكان – الجذر الذي انبثقت منه هذه الشجرة، وأينعت أوراقها: حصن التراب. وهو فضاء الأصل، فضاء الجذور، فضاء تربة شجرة العائلة، يبقى الرمز الأول والاستعارة الكبرى التي تدل على حياة هذه العائلة ومصائرها.
ثالثا: تصنيف رواية «حصن التراب»:
أطلق جورج طرابيشي اصطلاح الرواية الحضارية على الروايات العربية التي عالجت علاقة الشرق بالغرب، ومنها روايات «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و«الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح. وأرى أن هذا الاصطلاح، أعني الرواية الحضارية يشمل روايات أخرى، عالجت قضايا وظواهر في الحضارات الإنسانية، ومنها رواية «حصن التراب» لأحمد عبداللطيف، التي عالجت مصائر الحضارة العربية الأندلسية، خاصة في زمن سقوطها، عند أهلها المقهورين، المعروفين في التاريخ الحضاري باسم الموريسكيين، ولذلك كان العنوان الفرعي للرواية «حكاية عائلة موريسكية» دالا على هذا الانتماء. وتعمل الرواية الحضارية على إبراز العلاقات المتشابكة، الملأى بالصراع والتدافع والمقاومة والبحث عن الهوية، في فضاء حضاري يكاد يكون مغلقا لا يعترف إلا بهوية الغالب، ما يجعل المغلوب يصون هويته الأصلية الأصيلة بكل أشكال الصون، ومنها الكتابة، بما يخط في شجرة الحياة – شجرة العائلة. لقد توالت أوراق أفراد عائلة (دي مولينا) في الانكتاب، ورقة ورقة، ازدانت بها شجرة العائلة، وهي تقاوم محو الهوية، وتحافظ على السر المكنون في جوهر هذه العائلة، جوهر انتمائها إلى الحضارة العربية الأندلسية.
تَمْثُلُ الهوية المستعادة في رواية «حصن التراب» في هذه الاستعارة الكبرى- استعارة شجرة العائلة المسلمة الموريسكية التي تعيش مصائرها في حقب وأزمنة التحولات الكبرى لحضارة العرب في الأندلس، خاصة في أزمنة السقوط والانهيار والتنصير والطرد وكل أشكال العنف التي يمارسها الغالب القاهر ضد المغلوب المقهور. ومع ذلك حافظت عائلة دي مولينا على هويتها جيلا إثر جيل، وابنا بكرا إثر ابن بكر، وبحفاظها هذا نقلت لنا تراث الموريسكيين ومحنهم واغترابهم ومآسيهم الإنسانية الحضارية. بما كانت تكتبه من أوراق توالت حتى أصبحت شجرة وارفة تقاوم تهديدات المحو والاقتلاع والابتعاد عن الجذور- جذور الهوية العربية الإسلامية باعتبارها هوية حضارية سامقة، مهما كانت المآلات والمصائر التي عانتها وعاشتها هذه العائلة الموريسكية. تبقى إشارة مهمة لابد منها، للقارئ، وهي أن رواية «حصن التراب» لأحمد عبداللطيف صدرت عن دار العين المصرية عام 2017 ووصلت إلى اللائحة القصيرة لجائزة البوكر العالمية للرواية العربية في العام نفسه.
٭ كاتب مغربي